أمريكا الترامبية تحطّم النظام العالمي القائم

وحيد سيريس:

نتابع جميعاً بكثير من الذهول ما تفعله الولايات المتحدة الأمريكية خلال عام فقط من عمر ولاية ترامب الرئاسية!

وهنا يتضح السبب من وراء اختيار النظام الأمريكي للرئيس ترامب بشخصيته النرجسية المرضية وغروره المفرط وتصريحاته الكثيفة المثيرة للدهشة والحيرة معاً، فهو الرجل المطلوب في هذه المرحلة الانعطافية من مصير الإمبراطورية الأمريكية وقطبيتها الأحادية ..

المطلوب.. هو تهشيم كل المنظومة الدولية التي تأسست على نتائج الحرب العالمية الثانية، أي منذ ثمانية عقود.. سواءٌ كمؤسسات دولية او اتفاقيات او قرارات او قوانين دولية.. كانت تشكّل مجتمعةً أسس العلاقات الدولية وأصولها وأعرافها خلال كل هذه السنين.. رغم أن الغرب الاستعماري بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لم يترك أي فرصة للتنمر عليها أو التحايل أو تجاهل القرارات الدولية ومحاولة تجييرها لصالح أهدافهم الاستعمارية.. لكن الآن يتم عملياً نسفها بالكامل.. ومن طرف واحد هو الولايات المتحدة الأمريكية.

الدافع الأساسي من تلك الانعطافة الأمريكية هو التراجع الكبير في قوة وقدرة أمريكا في الحفاظ على هيمنتها وقطبيتها الأحادية.. وأن العولمة بمنحاها الاقتصادي والتجاري الذي عملت الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها في الغرب على تسويقه وتعميمه وفرضه على العالم.. كانت آثاره كارثية على الاقتصاد الأمريكي وبالأخص على ميزانها التجاري في محصلة علاقاتها التجارية مع أغلب دول العالم، فقد وصل العجز التجاري الأمريكي فيها ما يفوق التريليون دولار سنوياً مع حجم مديونية هائل تجاوز( ٣٨ ) تريليون دولار .. وتتجاوز فوائد الدين على الخزينة الأمريكية مبلغ (١) تريليون دولار سنوياً.. كل تلك الأزمات الاقتصادية والمالية نتجت فعلياً من تخلي الولايات المتحدة عن الاقتصاد الانتاجي لصالح الاقتصاد الريعي وعمليات المضاربة في البورصة والتي ضخمت قيم الأصول بشكل فقاعي وهي تنذر بالانفجار في كل لحظة..

وبالتالي تأتي الانعطافة في السياسة الأمريكية ظنّاً من النظام الأمريكي بأن هذه السياسات يمكنها أن تنتشل الإمبراطورية الأمريكية وتعومها وتنقذها من الانهيار؟!

أي أن أمريكا الترامبية تنقلب على العولمة الاقتصادية أيضاً.. مستخدمةً عجزها التجاري مع أغلب الدول وبالأخص الدول النامية الصاعدة الكبرى الأكثر تصديراً للأسواق الأمريكية سلاحاً للإخضاع.. بشكل يعاكس ما كانت عليه سابقاً كحافز هام في توطيد العلاقات الاقتصادية والسياسية.. لتتحول علاقات الشراكة الاقتصادية بين أمريكا وباقي دول العالم لحالة خصومة اقتصادية وتجارية.. تستخدم الإدارة الأمريكية فيها أساليب التفاوض القسري في عملية ماتسميه (تصحيح العلاقات التجارية مع دول العالم).

إذاً الولايات المتحدة الأمريكية في المرحلة الترامبية تعتبر أن الأولوية لم تعد للهيمنة السياسية والأمنية من خلال حوافز اقتصادية أو حماية عسكرية وأمنية تقدم لحلفائها وشركائها واتباعها على حساب خزانتها المستنزفة والمفلسة.. وهذا يؤدي إلى زلزال حقيقي في أسس العلاقات الأمريكية مع الآخرين مهما كان تصنيف هؤلاء الآخرين حلفاء أو أتباع أو غير ذلك.

ماهي أهمّ ما تسببت به السياسات الانقلابية الأمريكية على العالم حتى الآن:

-اهتزاز التحالفات التقليدية للولايات المتحدة سواءٌ في القارة الأوربية أو في جنوب شرق آسيا (كوريا الجنوبية واليابان) وحتى مع دول في أمريكا الشمالية وفي مقدمتهم (كندا).. بحيث أصبحت تلك الدول تبحث جدّياً في تغيير سياسي اقتصادي في علاقاتها مع الدول الوازنة وفي مقدمتهم العملاق الصيني تتجه نحو زيادة توطيد الشراكة الاقتصادية معه وبشكل يعاكس ما تضغط الإدارة الأمريكية نحوه في سبيل تقليص علاقات تلك الدول مع الصين.. وهو رد متوقع أن يتوسع أكثر في الأيام القادمة، وقد سبقت دولة كندا الجميع وقامت بتلك الخطوة بتوقيعها شراكة اقتصادية واسعة مع الصين مؤخراً.

-زعزعة الاستقرار الدولي.. والشعور بالتهديد وعدم اليقين عند الكثير من الدول وخاصةً الدول التي تمتلك مخزوناً مهماً من الثروات الدفينة.. بعد تهديدات مباشرة من الرئيس ترامب لها بالاستيلاء بالقوة على أراضٍ وثروات تمتلكها تلك الدول ومصادرتها لحساب أمريكا وشركاتها..

-سعي الإدارة الأمريكية لاستبدال مجلس الأمن الدولي المؤسسة الدولية الأهم في الأمم المتحدة بمجلس كاركاتيري يسميه (مجلس السلم العالمي) لتكون اتفاقات (غزة) بروفا أمريكية لتشكيل وعمل هذا المجلس وبقيادة أمريكية (طبعاً) وبطابع أشبه بشركة مساهمة وبرسم انتساب قدره (مليار دولار) لكل دولة مشاركة في هذا المجلس!!!

وهو عملياً تعبير أمريكي فاضح فيه استخفاف واستهزاء بالدور المنوط بمجلس الأمن الدولي ودوره في حفظ الأمن والسلم الدوليين.. وبالتالي نسف أي مرجعية قانونية أو قرارات دولية تم اتخاذها أو إقرارها خلال الثمانين سنة الماضية.. وتأسيس هيئات دولية دون أي مرجعية قانونية.. فقط ما يقرره الإمبراطور ترامب هو الذي يعتمد فيها!

-سباق تسلح غير مسبوق وسعي الكثير من الدول لزيادة هائلة في الميزانيات العسكرية لديها.. بعد شعورها بالتهديد أو انخفاض توقعات الحماية الأمريكية التي اعتمدت عليها تلك الدول لزمن بعيد.

-الشعور بالمأزق بل واليتم عند عدد كبير من الدول أو القوى الحليفة أو التابعة للولايات المتحدة والتي لم تقرأ جيداً المتغيرات الدولية التي نشأت في السنوات الماضية والتي أدت إلى هذا الانقلاب السياسي الزلزالي في السياسات الامريكية في الزمن الترامبي.. وهي جميعها تحتاج لمراجعات جدية لسياساتها وتوجهاتها بما يخدم مصالحها الوطنية الفعلية.

-ظهور استقطابات جديدة في الساحة الدولية وتسارع وتيرة الفرز والخروج من دائرة المواقف الرمادية أو السلبية التي وسمت سياسات الكثير من الدول في فترة الصراع الحاد بين المعسكر الامريكي وخصومه وبشكل رئيسي (الصين وروسيا وإيران) وبالتالي زيادة التحلق الشعبي حول النخب السياسية التي تتبنى مواقف وأهداف وطنية وقومية.. بل حتى الأكثر تطرفاً في السياسات القومية.

العالم يمر بمتغيرات غير مسبوقة لم تشهد الشعوب وخلال عدة أجيال ما يماثلها.. وأهم ما فيها هو الخطر المتعاظم من تلك الفوضى الشاملة التي تعمد الأمريكي بدفع العالم إليها للخروج من أزماته البنيوية.

لكن العالم ما زال يحوي العديد من الدول الكبرى الوازنة والتي تقودها نخب سياسية قوية وحكيمة وأمل الشعوب كبير بقدرتها على امتصاص الجنون الأمريكي الترامبي.. وعبثه الخطر بالسلم الدولي.

العدد 1184 - 28/01/2026