نظام الحكم الأنسب لسورية نحو نموذج متكامل للوحدة والتنوع
علي شوكت:
نظم الحكم التعريف والأهمية:
بداية سأقوم بالتعريف ببعض نظم الحكم المعمول بها في العديد من بلدان العالم:
١- النظام المركزي
هو نظام تتركز فيه جميع السلطات في الحكومة المركزية، مع تبعية هرمية للمحليات. ومن مميزاته: سرعة اتخاذ القرار، وحدة التشريع، كفاءة في الأزمات.
ومن أهم سلبياته:
تهميش المناطق، عدم مراعاة التنوع، بيروقراطية.
٢-النظام الفيدرالي:
هو تقسيم دستوري للسلطة بين حكومة مركزية وحكومات إقليمية ذات صلاحيات أصلية.
ومن مميزاته: الاعتراف بالتنوع، مشاركة أوسع، مرونة.
ومن أهم سلبياته: خطر تعزيز الانقسامات، تعقيد مؤسّسي.
٣- النظام اللامركزي واللامركزية الإدارية:
هو تفويض سلطات إدارية ومالية للمحليات مع بقاء السيادة للدولة. مميزاته: توازن بين الوحدة والتنوع، مشاركة محلية، كفاءة. خصوصية اللامركزية الإدارية تسمح بتفويض الصلاحيات مع حفظ الوحدة السياسية والتشريعية.
تحليل الواقع واقتراح النموذج الأمثل للواقع السوري المعقد
المجتمع السوري مجتمع متنوع (عربي، كردي، شركسي، سرياني، أرمني، إثنيات وأديان وطوائف ومذاهب متنوعة) بنسب مختلفة. لقد مر الشعب السوري بكل تلويناته ومشاربه بتجربة مريرة من الحرب الأهلية (14 عاماً).
كما أن البلاد تعاني من اقتصاد منهار وبنية تحتية مدمرة بشكل جزئي وعلى مساحات واسعة.
كما تعاني أيضاً من انقسامات اجتماعية عميقة تحتاج إلى علاج متدرج ولفترات زمنية ليست بالقصيرة، وتحتاج أيضاً إلى إيقاف الخطاب الديني المتشدد من جميع الأطراف وتجريمه قانونياً، ونبذ العنف، وعدم الحض على الكراهية. والعمل على رأب الصدع المجتمعي، وعودة أواصر العلاقات المجتمعية إلى طبيعتها الأساسية المبنية على التسامح والتآخي، ونبذ جميع الخلافات المجتمعية.
النموذج المقترح:
اللامركزية الإدارية الموسعة
أعتقد بكل وضوح وشفافية، وقد يوافقني البعض ويعارضني البعض الآخر، أن اللامركزية الادارية هي النموذج الأنسب للحكم في سورية. كما أعتقد أيضاً أن البنية القانونية هي جاهزة ويمكن تطويرها وهي المتمثلة بقانون الإدارة المحلية رقم 107 المعمول به حالياً.
لماذا هذا النموذج هو الأصلح لسورية؟
أولاً. يحفظ الوحدة الوطنية ويمنع الانفصال مع الاعتراف بالخصوصيات.
ثانياً. مرن وقابل للتطوير: يمكن البدء به تدريجياً حسب الاستعداد.
ثالثاً. يشكل جسراً للمصالحة: يعطي جميع المكونات حصة في الحكم.
رابعاً. يناسب التنوع السوري ويعترف بالخصوصيات دون تمزيق النسيج الوطني.
ملامح لنموذج الهيكل
الإداري المقترح لسورية:
- الحكومة المركزية (العاصمة دمشق)
- السياسة الخارجية، الجيش، العملة، المناهج الأساسية
- التخطيط الاستراتيجي الوطني
- المجالس المحلية وتضمّ:
- مجالس (محافظات ومدن وبلدات وقرى) منتخبة محلياً.
- إدارة الخدمات اليومية.
- ميزانيات محلية تحت رقابة مركزية.
- صلاحيات في: التعليم (بشكل جزئي)، الصحة، الثقافة، التنمية الاقتصادية المحلية.
- ويمكن اقتراح قوانين خاصة بالخصوصيات الثقافية.
ضمانات الوحدة مع التنوع:
- دستور واضح: يحدد الصلاحيات ويحظر الانفصال.
- نظام مالي متكامل: توزيع عادل للثروات الوطنية.
- خدمة وطنية موحدة: تعزيز الانتماء الوطني.
- مناهج تعليمية: توازن بين الهوية الوطنية والخصوصيات المحلية
وتتحدد آليات الشفاء والتعافي السريع في:
المصالحة الوطنية الشاملة:
- عدالة انتقالية: لجان للحقيقة والمصالحة.
- عفو شامل: باستثناء جرائم الحرب الكبرى.
- إعادة دمج: للمقاتلين السابقين في الحياة المدنية.
التنمية الاقتصادية الشاملة:
الزراعة:
سورية هي بالأساس بلد زراعي متنوع، وذلك للتنوع المناخي بين الساحل والداخل والجزيرة السورية والشمال السوري وجنوبه. ولتنوع المحاصيل الزراعية على كامل الجغرافية السورية. ولذلك لا بد من:
- استصلاح الأراضي المتضررة.
- إدخال تقنيات حديثة في الري.
- دعم المزارعين بمشاريع صغيرة ومتوسطة.
الصناعة:
الصناعة في سورية تعتمد على الصناعات الأولية والتحويلية والصناعات الخفيفة والمتوسطة، ولا بد من:
- إعادة تأهيل المناطق الصناعية الكبرى في حمص (المدينة الصناعية في حسياء) وفي مدينة حلب (المدينة الصناعية في الشيخ نجار).
إضافة إلى المدن الصناعية الأصغر حجماً في باقي المحافظات.
- جذب استثمارات عربية ودولية.
- تطوير الصناعات التحويلية.
*-الثروات الباطنية:
تمتلك سورية ثروات باطنية جيدة من نفط وغاز في كل من محافظات الحسكة ودير الزور وريف حمص، إضافة إلى بعض آبار الغاز المكتشفة والمستثمرة حديثاً في ريف دمشق. وأيضاً بلوكات النفط والغاز التي لم تستثمر في الساحل السوري. وهذا يتطلب:
إدارة مركزية مع توزيع
عادل للإيرادات
- الفوسفات والمعادن:
تمتلك سورية ثروة طبيعية هائلة من الفوسفات تقدر بحوالي 2 مليار طن يتركز معظمه في البادية التدمرية. ولا بد من إعادة استثماره بشكل جيد وبشراكات وطنية مشتركة.
- الطاقة المتجددة:
وفي سورية أيضاً مساحات واسعة غير مأهولة بشكل كبير لاسيما في البادية يمكن استغلالها باستثمار الطاقة الشمسية.
.تنمية الكوادر البشرية:
تمتلك سورية كوادر وخبرات علمية وفنية كبيرة، وأعتقد أنها أكبر وأعظم ثروة وطنية يمكن الاعتماد عليها في إعادة البناء والتطوير الاداري والعمراني والزراعي والصناعي والأتمتة والتطور التكنولوجي. وتتلخص في:
- استعادة الكفاءات بوسائل تحفيز لعودة العلماء والمهندسين والأطباء والفنيين والأيادي العاملة الخبيرة الماهرة.
- التعليم:
- إعادة تأهيل المدارس والجامعات وربط الخريجين بساحات العمل وتوفير بيئة عمل نموذجية.
- برامج تعليمية تضمينية للجميع.
- شراكات مع جامعات دولية.
- الصحة:
- نظام صحي لامركزي متكامل.
- تأهيل المستشفيات وتجهيزها.
- برامج صحية وقائية.
استراتيجية الخروج
من عنق الزجاجة:
المرحلة الأولى: تتجلى بالاستقرار الأساسي سياسياً واجتماعياً
- وقف إطلاق النار بشكل نهائي.
- حكومة وحدة وطنية.
- بدء إعادة النازحين والبدء في إعادة الإعمار.
المرحلة الثانية:
وتتضمن إعادة الإعمار بشكل واسع.
- مشاريع بنية تحتية كبرى
- إطلاق الاقتصاد
- تطوير النظام اللامركزي
المرحلة الثالثة:
.التنمية المستدامة
- اقتصاد معرفي
- رفاهية شاملة
- مكانة إقليمية متجددة
رفاهية الشعب السوري رؤية متكاملة
.العدالة الاجتماعية
- نظام ضريبي تصاعدي
- شبكة أمان اجتماعي
- دعم للأسر المتضررة
الخدمات الأساسية:
- مياه وكهرباء 24/7
- صحة وتعليم مجانيين.
- مواصلات عامة متطورة.
المشاركة السياسية:
من أهم القضايا التي تستدعي المشاركة هي عودة الحياة السياسية وحرية العمل الحزبي والمجتمعي، بحيث تفضي إلى:
- انتخابات حرة ونزيهة.
- حرية إعلام وتعبير.
- مجتمع مدني فاعل.
التحدّيات وكيفية التغلب عليها:
إن التحدي الأكبر للمجتمع السوري وللدولة الناشئة هي عودة الثقة المفقودة بين جميع المكونات الاجتماعية والسياسية.
ويكمن ذلك في شفافية كاملة، محاسبة الفاسدين، مشاركة حقيقية غير إقصائية.
التحدي الاقتصادي:
إن أهم التحديات الاقتصادية هي الدمار الواسع التي تعرضت له البنى التحتية وإعادة صياغة الكثير من القوانين، ويكمن الحل في خطة (مارشال عربية/دولية) واستثمارات وطنية ذكية.
-التحدي الاجتماعي:
الانقسامات الاجتماعية هي من أكبر التحديات ولا بد من اللجوء إلى
حوار وطني شامل يشارك فيه جميع السوريين وذاكرة وطنية واحدة موحدة تتناغم فيها جميع المكونات الثقافية والفكرية المجتمعية.
و بهذا نكون قد وصلنا إلى سوريانا الجديدة التي نحلم بها والتي أعتقد أنها النموذج الأنسب في (اللامركزية الإدارية الذكية) التي:
- تحافظ على سورية الموحدة أرضاً وشعباً.
- تحترم تنوعها الغني دون تمزيق وحدتها.
- تبني اقتصاداً قوياً يعتمد على الزراعة والصناعة والثروات.
- تستثمر في الإنسان السوري كأهم ثروة.
- تحقق الرفاهية للجميع بعد سنوات المعاناة.
وبهذا تكون سورية قادرة على النهوض فيما إذا:
- توحدت إرادة السوريين على مستقبل أفضل.
- تبنت نموذجاً متوازناً يجمع بين الوحدة والتنوع.
- استفادت من دروس الحرب لبناء سلام دائم.
- استثمرت في أبنائها ومواردها بحكمة.
الطريق طويل، لكن البداية تكون بقرار سوري خالص يضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات، ويبني نظاماً يحقق العدالة والمشاركة والكرامة لكل مواطن سوري، في وطن واحد موحد، غنيّ بتنوعه، قويّ بوحدته.