تساؤلات طال أمدها.. العنف والتمييز ضدّ النساء.. قدرٌ أم ثقافة وخيار؟

إيمان أحمد ونوس:

رغم التطور والتغيير الذي طرأ على وضع المرأة في المجتمعات قاطبة، إلاّ أن العنف المُمارس ضدّها لا يزال سائداً بنسب وأوجه مختلفة تبعاً لتطور المجتمع وثقافته وتشريعاته التي قد تواكب وقد لا تواكب روح العصر. فالعنف ضدَّ المرأة له تاريخ طويل للغاية، ويُعدُّ أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً واستمراراً. وغالباً ما يُنظر إلى هذا العنف على أنه آلية لإخضاع النساء، سواء في المجتمع بشكل عام أو في العلاقات الشخصية.

ينص إعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على العنف ضدَّ المرأة على أن (العنف ضدَّ المرأة هو مظهر من مظاهر علاقات القوة غير المتكافئة تاريخياً بين الرجال والنساء، كما أنه إحدى الآليات الاجتماعية الحاسمة التي تضطّر المرأة بموجبها إلى الخضوع بالمقارنة مع الرجل).

تخضع غالبية النساء لبعض أنواع العنف وهي تتّخذ أشكالاً مختلفة نذكر منها:

1- العنف الجسدي: هو أبسط أنواع العنف وأكثرها وضوحاً، إذ تتعرّض المرأة للضرب أو الصعق، سواء بجزء من أجزاء الجسم أو بأداة ما.

2- العنف اللفظي: الذي يُعتبر من أكثر أنواع العنف انتشاراً لأنه يُمارَس في بعض الأحيان دون إدراك المُعَنِّف أن في هذا اللفظ تعنيفاً سواء عن طريق الكتابة أو النطق بالشتائم والألفاظ الجارحة تجاه المرأة.

3- العنف الجنسي: ويتمثّل هذا النوع من العنف بإجبار المرأة على ممارسة أي فعل جنسي بالإكراه، وهو ما يُعرف بالاغتصاب. ويدخل في إطار هذا العنف إرغام الزوج زوجته على ممارسة العلاقة الزوجية بالإكراه، أو رغم وجود وضع صحي لا تستقيم معه هذه العلاقة، وهذا ما يُسمّى بالاغتصاب الزوجي الذي يُعدُّ أشنع أنواع الاغتصاب الذي تتعرّض له المرأة لأنه يأتي ممّن يؤمل منه حماية المرأة وأمانها واحترام إنسانيتها، في ظلّ غياب تشريعات قانونية تُجرّم هذا النوع من العنف.

4- العنف المادي: يتجلّى هذا النوع من العنف بتحكّم الزوج، الأب، الأخ بدخل المرأة أو راتبها دون موافقتها، أو إساءة استخدام أموالها. كذلك التحكّم في عملها سواء بالمنع أو الإجبار، الاختلاس، الابتزاز، إساءة استخدام التوكيلات أو الوصاية عليها.

5- العنف النفسي: وهو من الأنواع التي تترك في نفس المرأة مع مرور الزمن واستمرار التعنيف جروحاً لا تندمل، لأنه يخلق لديها شعوراً بأنها لا قيمة لها، ولا شكَّ أن غالبية النساء قد تعرضن له في وقت ما من حياتهن، كاللّوم الدائم، الغيرة، الاستهزاء بما تقوله أو تقوم به أو تقدّمه، إتلاف أشيائها الخاصة أو ما تحب بشكل استفزازي. ويدخل الإهمال في إطار العنف النفسي، لأنه وببساطة قد يحدث دون إدراك المُتسبّب بهذا النوع من العنف بأنه عنف وتمييز، ما يُسبّب آلاماً نفسية قد يطول أمدها. كما يدخل تعدّد الزوجات أو الطلاق التعسّفي في مضمار العنف النفسي لما تُسبّبه لها كلتا الحالتين من ألم وضغوط نفسية واجتماعية وإنسانية.

6- العنف المجتمعي: المُتمثّل بالعادات والتقاليد السائدة التي تحطُّ من شأن المرأة وقيمتها، أو تحرمها بعض حقوقها الطبيعية، مثل ختان الإناث، الزواج المبكّر، الحرمان من الميراث في بعض البيئات مع أن الشرائع والأديان نصّت عليه، رغم أن في نصوصها أو تفسيرها أو فقهها تمييزاً لصالح الرجل، فقط لأن العرف الاجتماعي والخجل يمنعانها من الحصول على هذا الحق.

7- العنف الرمزي: إنه كما وصفه عالم الاجتماع الفرنسي (بيار بورديو) قائلاً:

(هو عنف هادئ لا مرئي ولا محسوس حتى بالنسبة إلى ضحاياه، ويتمثل أن تشترك الضحية وجلادها بالتصورات نفسها عن العالم والمقولات التصنيفية نفسها، وأن يعتبرا معاً بنى الهيمنة من المسلمات والثوابت، فالعنف الرمزي هو الذي يفرض المسلّمات التي إذا انتهينا إليها وفكرنا بها بدت لنا غير مسلّمٍ بها، وهي مسلّمات تجعلنا نعتبر الظواهر التاريخية الثقافية طبيعة سرمدية أو نظاماً عابراً للأزمنة وأشدُّ أنواع العنف الثقافي هو الرمزي).

ولهذا نجد أن هذا العنف من أخطر أنواع العنف لأنه يمارَس دون وعي من قبل المرأة بأن ما تتبنّاه من آراء أو مواقف يدخل في إطار تعنيفها أو التمييز ضدّها، أي حين تتماهى المرأة مع منظومة القيم الاجتماعية الداعية إلى تعنيفها والتمييز ضدّها، فتُعيد بنفسها إنتاج منظومة القمع والعنف والتمييز ذاتها ضدّ المرأة، من خلال تربيتها لأبنائها من الجنسين وبقناعة تامّة أن هذه القيم هي الحقيقة والأصل، لأن المرأة لا يمكن أن تُجاري الرجل في الحظوة والقوة والسلطة، يُضاف إلى هذا محاربتها لأيّة بادرة تطور أو تحرّر من قبل بعض النساء، فتكون أشدّ عداءً لهنّ من الرجل ذاته، ومن هنا نجد أن المرأة في كثير من الأحيان هي من تُعيق التطور وتغيير القيم المجتمعية التمييزية والعنفية ضدّ النساء، وهنا مكمن الخطورة التي يتميّز بها العنف الرمزي، فهو يسير بالضحية إلى درجة القبول، بل والتواطؤ مع الجلاد فتغدو كل محاولة للمقاومة غير واردة.

بعد هذا الاستعراض السريع لبعض أنواع العنف ضدّ النساء في غالبية المجتمعات البشرية بنسب تتفاوت وفقاً للقوانين السائدة، وكذلك وفقاً لتفعيل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الداعية إلى مناهضة كل أشكال العنف والتمييز ضدّ النساء والمُتمثّلة بشكل أوضح فيما يُسمّى باتفاقية السيداو التي وافقت عليها عموم الدول العربية والاسلامية باستثناء السعودية، إلاّ أن هذه الدول جميعها تحفّظت على أهم بنود الاتفاقية الداعية إلى المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، وبأن يتمّ تفعيل هذه المساواة في القوانين والتشريعات المحلية لكل دولة. وبهذا بقينا حتى اللحظة نرتع في مرابع القيم والأعراف المجتمعية والدينية والقانونية الداعية كلها إلى استمرار التمييز والعنف ضدّ النساء رغم كل ما وصلن إليه من مكانة علمية ومهنية واجتماعية تؤهلهنّ لتلك المساواة، ورغم كل ما حملته وما زالت الكثير الكثير من النساء يتحملنه من آلام ومآسي فرضتها الحروب الجارية في العديد من الدول العربية لأسباب لا مصلحة للجميع فيها، لكن النساء حملن مختلف تبعياتها من فقر وجوع وعوز وتشرّد دون أن يكون لهنّ أدنى حضور إنساني أو سياسي خلال المفاوضات الداعية لإحلال السلام في هذه البلدان.. وهذا بفعل أنّ العقل والفكر العربي مرتهن للعقلية الشعبية وموروثها من أمثال ومقولات، لما لها من تأثير أكبر في بعض الأحيان من تأثير الدين والثقافة على العقلية العربية (جرائم الشرف مثلاً) مترافق هذا أيضاً مع حالة اللاّحوار داخل المجتمع في كل الأمور إذ تبقى الكلمة الفصل إلى صاحب السطوة، لقد صوّرت ورسخت السير والقصص والأمثال الشعبية التراثية كثيراً من المفاهيم الاجتماعية الخاطئة حول المرأة بأنها (مصدر كل إغواء وسبب كل بلاء).

وبعد هذا الاستعراض نتساءل:

– هل استمرار هذا العنف والتمييز بفعل القدرية المحتومة أم بسبب الثقافة المجتمعية السائدة، والعديد من القوانين الداعمة استناداً إلى التشريعات الدينية باعتبار الفقه الاسلامي مصدراً أساسياً للتشريع في مختلف الدساتير العربية، وكذلك مساهمة بعض النساء في تعزيزها واستمرارها من حيث إعادتها إنتاج منظومة القيم ذاتها خلال عملية التنشئة والتربية القائمة على التمييز بين الجنسين؟

– وهل من الممكن التّصدي لوقف حدّة مظاهر العنف ضدّ النساء أو تخفيفها وكيف؟

العدد 1115 - 17/7/2024