العائلة السورية السعيدة

حسين خليفة: 

الخلق كلّهم عيال الله وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله.

لطالما كانت هذه العبارة المتداولة كحديث نبوي شريف لافتة، وتصلح لشرح ماهية الأديان والأخلاق.

فربّ الكون واحد، وهو يقرّب إليه أرباب العائلات الذين يتفانون في خدمة عائلاتهم ومحبتها، والعائلات تبدأ من الأسرة كأصغر خليّة، ثم تتَّسع لتشمل الحي والبلدة والمدينة والبلد والإنسانية جمعاء.

فمحافظ مدينة ما مثلاً هو ربُّ العائلة في هذه المدينة، ومطلوب منه أن يقدم أقصى ما عنده من طاقات لتخديمها وجعل حياة سكانها(عائلته) أفضل، وإلّا وجبت محاسبته من قِبل من انتدبوه لهذه المهمة ثم من ربّه لاحقاً.

اكتفينا هنا بالمحافظ، لكن ما قلناه ينسحب على كل درجات المسؤولية ومراتبها.

في اليوم العالمي للأسرة، سنلقي نظرة على الأسرة السورية وحالها بعد أن جرى ما جرى في البلد من حرب وخراب ودمار وتهجير واعتقال وقتل ومقابر جماعية، وتفتيت البلد إلى مناطق نفوذ لقوى الأمر الواقع، ومناطق محتلة من قوى إقليمية ودولية، واستباحة سمائها وأرضها.

لا يحتاج المراقب إلى كثير ذكاء ليرى ما آلت اليه حال أُسرنا بعد هذه السنين العجاف، إنها صورة مُصغّرة عن حال البلد.

تكاد لا توجد عائلة سورية إلاّ وتشتّت أبناؤها وبناتها في المهاجر والمنافي، فلم تعد الأسرة تجتمع على إفطار الصباح أو قهوته، ولم يعد من داعٍ لانتظار اجتماع العائلة على طعام الغداء أو في السهرة لتبادل الأحاديث واستقبال الضيوف وغير ذلك من التقاليد العائلية التي كبرنا عليها.

اجتماع العائلة السورية يجري فقط على شاشات الموبايل وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، يتبادلون السلام والاطمئنان على بعضهم، ثم يمضي كلٌّ إلى شأنه تاركين الأب والأم يتبادلان نظرات الحسرة والنقمة على من أوصل العائلة السورية إلى هذه الحال من التفتّت والبعد.

تجد فرداً من الأسرة يعمل في دبي، وآخر في أربيل، ومن أسعفه الحظ في الوصول إلى أوربا يرفل في نعيم اللجوء عند دول الغرب التي يُردّد إعلامنا ليل نهار أننا هزمناها وأفشلنا مخطّطها التآمري على البلد.

حتى في بلدان إفريقيا وأمريكا اللاتينية الفقيرة، تجد سوريين لاذوا بها هرباً من الموت والاعتقال والذلِّ في بلدهم.

الأسرة السورية أصبح ملتقاها الوحيد هو هذه الشاشات الباردة الباهتة العابرة، وبعض المال الذي يقوم الأبناء في الخارج بتحويله إلى من بقي من الأسرة في الداخل يعيش في نعمة الكهرباء ساعتين كل 24 ساعة، وينتظر رسائل البنزين والمازوت والغاز، ويمتشق بطاقته الذكية لينال بها حصته المُحدّدة من الرز والسكر والزيت والشاي (حذفت معظمها من البطاقة) وأرغفة خبز معدودة لا تكفي لاستقبال ضيف أو دعوة صديق إلى الغداء أو العشاء.

أكاد أجزم أن ما يرسله بعض الأبناء في الخارج من حوالات مالية لمن تبقى من أهلهم في جنّة الداخل هي_ إضافة إلى واجب المساعدة وصلة الرحم_ أشبه بأجور ومستحقات لقيامهم بحراسة البيت والممتلكات من التعفيش والمعفشين مُتحمّلين كلّ قسوة العيش هنا.

ثم لنتأمّل الجيل الجديد الذي ولِدَ خلال سنوات الحرب وعاش ودرس خلالها هنا، إنه الجيل المغدور حقاً، الفوضى التي طالت كل مناحي الحياة جعلت الطفل الذي شاهد كل ما يحدث من تعدّيات وبطش وغياب للقانون والأخلاق لا يحلم بإكمال دراسته في ظلِّ انهيار منظومات التعليم وانتشار الفساد فيها وانتشار البطالة بين صفوف الخريجين، والرواتب الصفرية لمن عمل في وظائف حكومية منهم. إنه يحلم بأحد أمرين لبناء مستقبله: أن ينضمَّ إلى إحدى الميليشيات المُسلّحة التي تتناهب أرزاق السوريين وأحلامهم لئلا يكون هو الضحية. أو يركب البحر مهاجراً إلى بلاد لا يعلم ما يخبئه القدر في طريقه أو بعد وصوله، لكن المهم أن ينجو بنفسه من هذا المستنقع الذي يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

نسبة الشباب في المجتمع السوري داخل البلد أصبحت تقترب من الصفر، نسبة أصحاب المهن والشهادات العلمية كذلك.

أصبحت المهنة الأكثر رواجاً هي نبش القمامة وإيصالها إلى حيتان المهنة، الذين يقومون بفرزها وإيصالها إلى معامل السادة أثرياء الحرب لإعادة تدويرها وبيعنا إياها مرة أخرى على أنها صناعة وطنية لا مفرَّ لنا من شرائها واستخدامها في حياتنا اليومية.

هناك آلاف العائلات تعمل بكاملها في هذه المهنة القاتلة للجسد والروح.

الأسرة السورية أصبحت مُفكّكة ضعيفة مهزومة جائعة، ولا غرابة أن تصبح كذلك في بلد مُفتّت جائع بردان مهزوم حتى النخاع.. ولا أفق للخروج من هذه المذبحة المستمرة سوى بالعودة إلى الحل السياسي العقلاني القائم على الاعتراف بالآخر المختلف والحوار معه باتجاه التأسيس لإقامة دولة القانون والمؤسسات المنتخبة من قبل السوريين كلهم داخل البلد وخارجه، بكل حرية، وبمراقبة دولية، وإعادة المُهجّرين والنازحين إلى مناطقهم الأصلية بعد إعادة إعمارها، وطرد كل قوى الاحتلال وقوى الأمر الواقع. وهو ما يستحيل البدء بتحقيقه إلّا عبر تنفيذ القرار 2254 المُجمَع عليه دولياً وإقليمياً مهما تشنّج المتضرّرون من الحل السياسي، واتهموه بأقذع الصفات، فهم أنفسهم صنّاع الخراب والممعنون فيه والمتمسكون بنتائجه الكارثية.

العدد 1196 - 29/04/2026