الوطن للذي يحميه

علي شوكت:

يهلّ علينا شهر رمضان الكريم وموائدنا فقيرة، تفتقر حتى لحبة تمر، وأمعاؤنا خاوية وجيوبنا خالية. والمواطن السوري يفتقر لأدنى مقومات العيش، بعد أن صبر وتحمّل عشر سنوات وأكثر من الحرب وظلمها، قهراً ولوعة وحسرةً، وقدّم زينة أبنائه بين شهيد ومخطوف ومعتقل ولاجئ.

قاوم السوريُّ الإرهاب والتكفير بكل شجاعة وإصرار على التواصل مع أبناء وطنه بكل أطيافهم ومعتقداتهم وإثنياتهم، لأنه يدرك أن هذا الإرهاب والتكفير والحقد الأعمى ما هو إلا ريح مسمومة لابد أنها عابرة، ولأن فكره لا يحمل ولا يحتمل مثل تلك السموم الفكرية المتطرفة. قاوم وقارع الغزاة ببسالة وشهامة رغم الإمكانيات المتواضعة، ولأنه يحمل في عقله وفؤاده حب هذه الأرض الذي يعتبرها أمه وعرضه وكل ما يملك.

تحمّل ألم خنجر الغدر والخيانة والطعنات المسمومة في ظهره وقلبه، ولو كانت أشد مضاضة من غدر العدو، واعتبر نفسه أنه يدافع عن الامة بأسرها وأن تضحياته لن تذهب أدراج الرياح، وأن ثمارها لابد أن يقطفها أبناؤه من بعده، وأن دماء الشهداء ستزهر شقائق النعمان في حقوله وبساتينه.

صبر على أقسى حصار وعقوبات في العالم، وشدّ الأحزمة على البطون الخاوية أصلاً، وتحمّل شظف العيش والفقر والفاقة ولم يستسلم لكل ترهيب وترغيب لأعتى جيوش العالم وأقواها.

صبر على الفساد والمحتكرين والمتلاعبين بالأسعار والمتاجرين بلقمة عيشه وعيش أبنائه. واعتبر أن المعركة الحقيقية هي دفاعه عن الأرض، فهي أرضه، وأرض أجداده وآبائه قبله، وأرض أبنائه من بعده، لكن عينه لم تغمض أيضاً على من يزيد من ألمه وحسرته من الفاسدين والناهبين.

وبعد كل هذا وذاك صبر على سياسات الحكومات المتعاقبة التي لم تزد فقره إلا فقراً ولم تزد تعبه إلا تعباً، فما من قرار منصف له إلا حوِّر وعُّدل ليغدو ضده يستنزف آخر قطرة عرق من جبينه وآخر قطرة دماء في عروقه وآخر بسمة أمل على شفتيه.

هذا الإنسان العنيد المحب المتفاني في العطاء والدفاع عن حياض الوطن ألا يستحق التنبه لآلامه؟ ألا يستحق التحية والسلام؟! هذا المواطن الذي تُرك لرحمة ربه، كما يقال، بعد أن تم تأجير الموانئ والمرافئ والمعامل للمستثمرين المستغلين، هل تراه حكومته أقل شأناً من الحجر؟ كيف سيتدبر الفلاح أرضه دون بذار وسماد ومياه للري وأدوية لمعالجة محاصيله وتكاليف الإنتاج وأنتم تطالبونه بزيادة الإنتاج تنفيذاً لخططكم؟ وكيف لهذا العامل أن ينتج دون أدوات عمل مناسبة وأجور تحفيزية تساعده على تأمين كفاف يومه بعد أن تآكلت أجوره وتعويضاته لتغدو أكفأ قوة بشرية تُستَغل بأسوأ قوة شرائية لجهده وتعبه في أرجاء الأرض؟!

كيف للطالب أن يجدّ بدروسه وأي مستقبل ينتظره على قارعة الطريق؟!

تبّاً لكل حكومة لا تستطيع أن تحصّن أفراد شعبها وتؤمّن لهم، بالحد الأدنى، حاجاتهم المعيشية الأساسية البسيطة، وأن يكون عزيزاً كريماً في بلده! تبّاً لكل مسؤول يتباهى بمواكبه التي لها بداية وليس لها نهاية، ويتفاخر بأنه هو الحامي وهو الأمين وهو الوطني بينما مواطنوه ينهشهم الجوع والفقر والتشرد، والذين لولاهم لما كان لا هو ولا أبناؤه.

نعم، الوطن ليس حقيبة سفر ولا فندقاً نتركه عندما نملّ منه. الوطن للذي يحميه ويفديه بفلذات أكباده وتعب اليمين وعرق الجبين، للزنود السمر التي تزرع وتبني وتنتج دون كللٍ ولا ملل، للذين يصبرون ويقاومون وهدفهم النصر ليس غير.

العدد 959 - 5/05/2021