من جديد.. أوكرانيا إلى واجهة الأحداث!

د. صياح عزام:

هناك مؤشرات على أن تصعيداً كبيراً بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) يحصل بسبب أزمة القرم التي اختلقها الحلف، وقد تؤدي إلى ضرب العلاقة بين الطرفين، خاصة أن إدارة الرئيس بايدن تعمل على إحيائها من جديد، في إطار سياستها المعلنة بتكثيف الضغوط على موسكو، نظراً لتباين وجهات النظر حول عدة مسائل وقضايا.

وبالمقابل روسيا لن ترضخ لهذه الضغوط، ولن تتراجع عن موقفها في شبه جزيرة القرم.. ومن مظاهر هذا التصعيد المستجد وعوامله، أن أوكرانيا طلبت من الناتو التسريع في عملية ضمها إلى الحلف، مع العلم أنها تعرف تماماً أن هذا الضم إذا تحقق فلن يمر مرور الكرام، وأن موسكو لن تسكت عليه، الأمر الذي قد يؤدي إلى انزلاق الوضع إلى مواجهة عسكرية، وهو أمر لم يستبعده مسؤولون روس، وقد حذروا بعبارات واضحة عن أن تمركز قوات الناتو العسكرية في أوكرانيا وعلى بُعد لا يتجاوز 500 كيلومتر عن موسكو، سيتبعه رد فعل عنيف، وقد ترافق هذا التحذير مع حديث عن حشود للجيش الروسي في سياق تدريبات ضخمة داخل المناطق المتاخمة لأوكرانيا، وفي وقت تشهد فيه منطقة درنباس الأوكرانية توتراً ربما يتطور ليولد أزمة مدمرة.

في ضوء هذا القلق المتزايد، تجري اتصالات بين روسيا والولايات المتحدة حول الأوضاع في جنوب شرق أوكرانيا، إلا أن هذه الاتصالات حتى الآن لا تبعث على التفاؤل، بسبب التأزم الشديد بين البلدين عقب تهجم الرئيس بايدن على الرئيس الروسي بوتين ووصفه بـ(القاتل) الذي سينال جزاءه، ما أدى إلى احتجاج موسكو على ذلك واستدعائها لسفيرها في واشنطن للتشاور، هذا إضافة إلى رد موسكو على العقوبات الأمريكية بمثلها، ثم إحياء التحالفات على امتداد خريطة العالم، ما يوحي بالاستعداد لمواجهة شاملة ربما تقع بين الطرفين.

إلا أن محللين وخبراء عسكريين وسياسيين يستبعدون حدوث هذه المواجهة على المدى المنظور لعدة أسباب واعتبارات جيو سياسية، ونظراً للتعقيدات التي تحكم المشهد الدولي الحالي، ولكن مع هذا تبقى الاحتكاكات العنيفة واردة، لأن أوكرانيا تريد أن تبعث برسالة إلى روسيا تؤكد أنها لن تكون وحدها إذا حدث الأسوأ.. لاسيما في ضوء تغير لهجة الولايات المتحدة مع مجيء إدارة بايدن إلى البيت الأبيض، وتناغمها مع مواقف العواصم الأوربية الكبرى التي تريد كلها أن تزيد من الضغوط على موسكو، لتحقيق بعض المكاسب.. ولكن من الواضح أن روسيا مستعدة جيداً لمثل هذه اللحظات الحاسمة إن حصلت، وهذا الاستعداد تم وفق استراتيجية متكاملة بُدئ بتطبيقها منذ سنوات، وقبل التدريبات العسكرية الروسية الأخيرة ضمن الأراضي التابعة لموسكو والمجاورة لأوكرانيا..

هذه الاستراتيجية التي تحدث عنها الرئيس بوتين خلال حضوره استعراضات لأسلحة جديدة فائقة الدقة والتطور وعمليات إطلاق مشاريع اقتصادية وعلمية طموحة، أيضاً عبّر عن هذه الاستراتيجية عبر سياسته المعلنة بالتقارب الكبير مع الصين والتنسيق معها في مختلف المجالات، وحتى مع دول كثيرة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

بناء على ما تقدم، فإن الأزمة الحالية بين موسكو وواشنطن، التي أحياها الغرب من جديد، وتدخل فيها حلف شمال الأطلسي، تثير القلق، وتشكل لحظة حرجة قد ينتج عنها احتكاك حاد، أو لنقل مواجهة شاملة أو محدودة بين القوى العالمية الكبرى، وهذه الأزمة بين روسيا وأوكرانيا، تشابهها أزمة مماثلة أخرى بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية في بحر الصين الجنوبي، وكلتا الأزمتين تحمل معها وبين طياتها معالم ولادة عالم جديد لم يعد يعترف بسيطرة القطب الواحد على القرار الدولي، أو بالإدارة الواحدة، وإنما يتجه إلى التشكل وفق معايير جديدة للقوة والنفوذ، وبالتالي فكل أزمة تندلع في هذه المرحلة، هي جزء من المعركة العالمية الشاملة التي تخاض من أكثر من موقع أو جهة وفي أكثر من مكان.

 

العدد 959 - 5/05/2021