عودة روسيا القوية إلى جنوب القوقاز

د. صياح عزام:

في القرن الماضي، اتخذ ستالين قراراً بمنح إقليم ناغورنو كاراباخ حكماً ذاتياً في حضن جمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفييتية آنذاك.. وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي في بداية تسعينيات القرن المنصرم سارع هذا الإقليم الذي يبلغ عدد سكانه هذه الأيام 150 ألف نسمة، 99٪ منهم من الأرمن المسيحيين، على مساحة 4400 كم2، إلى إعلان الاستقلال الذي لم يعترف به أحد في العالم حتى أرمينيا.

وعلى هذا النحو انفتح على مصراعيه باب صراع أدى إلى مقتل عشرات الآلاف من الأرمن والأذريين، قبل أن تتشكل (جماعة مينسك) وتفرض وقفاً لإطلاق النار في عام 1994. والجدير بالذكر أن هذه الجماعة مؤلفة من 15 دولة برئاسة ثلاثية (روسيا والولايات المتحدة وفرنسا)، وكان هدفها قيادة مفاوضات تقود إلى حل دائم والسيطرة على التوتر في هذه المنطقة. ومنذ ذلك الوقت يعود التوتر وانفجار المعارك بين الطرفين الأرمني والأذري، ثم يتم الاتفاق على وقف إطلاق النار مع بقائه قابلاً للخرق.

في 27 أيلول من هذا العام 2020، عادت المعارك للاحتدام من جديد وبوتيرة عالية هذه المرة، ولم تُجدِ نفعاً ثلاثة اتفاقات لوقف إطلاق النار، ما أدى إلى آلاف الضحايا من القتلى والجرحى مع تشريد آلاف آخرين من السكان من منازلهم، ولكن في التاسع من شهر تشرين الثاني 2020 تم التوصل إلى اتفاق جديد شكل انعطافاً في هذه الأزمة لمصلحة روسيا تحديداً، حسب تقدير خبراء ومحللين سياسيين وعسكريين.

فبعد ساعات قليلة من الإعلان عن الاتفاق المذكور أعلاه، دخلت قوات روسية إلى أراضي الإقليم، وبذلك باتت موسكو موجودة عسكرياً في ثلاث دول من القوقاز الجنوبي وهي (جورجيا وأرمينيا وأذربيجان).

إن هذا الاتفاق بين الرئيسين الروسي بوتين والأذري إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان، يكرس دور روسيا كحكم في هذا الصراع، ولا يشير نهائياً إلى مجموعة مينسك العراب التقليدي للمفاوضات كما أشرنا قبل قليل.

ويبقى الغموض محيطاً بدور أنقرة ومكاسبها من الاتفاق بعد أن قدمت دعماً علنياً لأذربيجان، فهي مرتاحة للنصر العسكري الأذري، لكنها لم تستحوذ على مقعد في المفاوضات التي قادت إلى الاتفاق ولم تحصل سوى على الإعلان من قبل الرئيس علييف، بأنها سوف تشارك في قوات حفظ السلام. وهذا لا يعد إنجازاً حقيقياً، نظراً لانخراطها في النزاع بشكل مباشر من خلال المرتزقة وطائرات الدرون والأسلحة التي أرسلتها للجيش الأذري، إضافة إلى الدعم السياسي وغيره، وتكبد الانتقادات العالمية لها بأنها تقوم باستفرازات في أذربيجان بعد سورية وليبيا وقبرص، وتسعى لإحياء السلطة العثمانية البائدة.

لقد حقق علييف نصراً عسكرياً واضحاً، فحصل على ما عجزت عنه باكو في ربع قرن من المفاوضات، وبدا في الداخل زعيماً قوياً. أما النجاح السياسي والدبلوماسي الأكثر وضوحاً فهو للرئيس بوتين الذي عمل بموجب مبدأ أن يكون الوضع في ساحة القتال جلياً كي تغدو الدبلوماسية فاعلة. فإذا كانت خسارة أرمينيا للحرب واضحة بسبب الدعم التركي، فليكن ذلك بشرط ألا تدخل القوات الأذرية إلى أراضي أرمينيا التي ترتبط معها روسيا بمعاهدة دفاعية، حيث توجد قاعدتان عسكريتان لموسكو، وهو (أي بوتين) بهذا الاتفاق يحافظ على علاقته المميزة مع أذربيجان التي تشتري من موسكو 70٪ من أسلحتها، كما أنه أبعد تركيا الذي يعيق تدخلها الدور الروسي في التوسط بين الجمهوريتين السوفييتيتين السابقتين.

لا شك بأن الخاسر الأكبر في هذه الحرب هو رئيس الوزراء الأرمني باشينيان الذي لم يسامحه بوتين على انفتاحه المفرط حيال الغرب، بذريعة مكافحة الفساد، والذي كان ممقوتاً من غالبية مواطنيه الذين هاجموا المؤسسات الرسمية، ونادوا بإسقاطه لأنه استسلم لأذربيجان، وليس مستبعداً سقوطه لمصلحة حلفاء موسكو القدامى في السلطة.

لكن ما يمكن أن يقال، من المؤكد أن روسيا عادت بقوة إلى القوقاز الجنوبي.

من جانب آخر صحيح أن باكو لم تتمكن من السيطرة على إقليم ناغورنو كاراباخ كاملاً، لكن هذا الإقليم بات محاطاً من كل أطرافه بأراضٍ أذرية، ولا يربطه بأرمينيا سوى ممر لاتشين الضيق نسبياً الذي تسيطر عليه القوات الروسية.

الخلاصة.. رغم هذا الاتفاق، يبقى الوضع بين أرمينيا وأذربيجان قابلاً للانفجار في أي وقت.

العدد 944 - 20/1/2021