مواقف ومفارقات رسمية وشعبية من قضية سلخ انطاكية ولواء الإسكندرون عن الوطن الأم سورية

الدكتور إليان مسعد:

يقول التاريخ الذي درجنا على تعلمه في مدارسنا ان فرنسا «الدولة المحتلة لسورية» قد تنازلت عن اللواء لتركيا لإغرائها بالدخول الى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.

 والحقيقة هي أن ماتعلمناه ليس هو كل الحقيقة لا من قريب ولا من بعيد.

ولعل من دس هذه الرواية أراد أن يتستر على المجرمين الآخرين الذين فرطوا بلواء إسكندرون وقبضوا ثمنه سياسياً.

عندما دخلت فرنسا إلى سورية كدولة منتدبة بموجب صك الانتداب كانت مساحة سورية في وثيقة الانتداب هي 245 ألف كم متر مربع.

وجاء في صك الانتداب أيضا أنه يمنع على فرنسا التنازل أي جزء من الأرض السورية إلى أي طرف ثالث.

ومع ذلك فإن مساحة سورية الفعلية انخفضت الى 180 ألف كم مربع، أما مساحة 185 ألف كم مربع التي نعرف بها مساحة سورية فهي تعني اللواء ضمناً، أي إن 65 ألف كم مربع من مساحة سورية قد فُرّط بها كأقضية مرسين وأضنة وطرسوس، وهذا لايشمل مساحة كليكيا السورية التي سلمت والبالغة 117 ألف كم مربع.

 ومن خلال اتفاقيات مشبوهة كاتفاقيتي أنقرة الأولى والثانية جرى التنازل عن كليكيا السورية بالكامل في معاهدة أنقرة الأولى، أما في الثانية والتي عقدتها فرنسا مع تركيا فقد جرى التنازل على مساحة من الارض تشمل حوالي 60 ألف كم مربع.

جرت كل هذه التنازلات خارج اتفاقية سايكس بيكو السيئة الصيت التي كانت قد ظهرت إلى العلن 1917 بعد أن كشفت عنها حكومة الثورة البلشفية في روسيا. وبقي لواء الإسكندرون بمساحته البالغة 4800 كم سورياً يعيّن حاكمه رئيس الدولة السورية ويرفع على مؤسساته العلم السوري مع اتحاد جمركي ونقدي مع سورية على أن يكون له برلمان خاص به مكون من 40 مقعداً وله ممثلوه في البرلمان السوري.

في عام 1928 أوصل الاسلام السياسي في سورية شخصاً يدعى الشيخ تاج الدين الحسيني التركي الأصل يعمل مفتياً وقد وصل بمعرفة الفرنسيين ومباركتهم الى منصب رئيس الدولة السورية، أما رئيس الوزراء فهو الشيخ أحمد النامي، وكلمة النامي تركية الأصل وتعني الصهر، وهو صهر السلطان عبد الحميد الثاني، لأنه زوج الأميرة عائشة شقيقة السلطان عبد الحميد الثاني، أما رئيس مجلس النواب فكان جميل مردم بك وكلهم أتراك وينتمون الى تيار الاسلام السياسي رغم ان مردم بك لم يكن متديناً..

وقد تحركوا بشكل متناسق لإجهاض تفاهمات 1936 التي وحدت سورية بعد ان كانت فرنسا قد جزأتها وقد أظهر الشيخ تاج لكمال أتاتورك ما يكفي من رسائل يطلب فيها العمل على ضم لواء إسكندرون الى تركيا، لأن غالبية اللواء هم من مكونات مجتمعية غير ملائمة للطبقة الحاكمة ومستقبلها في سورية، وبإخراجهم من حدود سورية لن يكونوا بوضع مشكل للأغلبية في سورية القادمة بعد الاستقلال.

ورفض كمال أتاتورك الطلب عدة مرات، لكنه بالنهاية اعجبته الفكرة وطالب كمال أتاتورك أخيراً بضم اللواء إلى تركيا بذريعة وجود جالية ناطقة بالتركية وازنة فيه، فرفضت فرنسا الطلب متذرعة بصك الانتداب الذي يمنع التنازل عن أي أراضي سورية لطرف آخر. شنت الصحافة التركية هجوماً لاذعاً ضد فرنسا، وسيرت المظاهرات التي تطالب بضم اللواء إلى تركيا، ومع إصرار فرنسا على موقفها تفتقت عبقرية الثلاثي «الشيخ تاج واحمد نامي و«مردم بك» عن حل.

فبما أن سورية دولة مستقلة ومؤسسة لعصبة الأمم وفرنسا دولة منتدبة لتطوير سورية فليس لها حق رفض الاتفاقات الثنائية بين سورية وتركيا.

وهكذا تقدمت حكومة الشيخ تاج بمذكرة اتفاق مع تركيا تتنازل بموجبه الدولة السورية عن لواء إسكندرون وقدّم الاتفاق إلى عصبة الأمم بغية احراج فرنسا. ولما ايقنت فرنسا بضعف موقفها بعد المذكرة قبلت بشروط منها اجراء استفتاء لسكان اللواء واعطاء فرنسا امتيازات في ميناء إزمير التركي.

جرى اول استفتاء في اللواء وفاز العرب بـ38 مقعداً من المقاعد.. ورفضت تركيا النتيجة وقرروا إعادة الانتخاب ولكن هذه المرة جرى تقسيم العرب الى طوائفهم المذهبية والدينية.. وجاءت النتيجة أيضاً لمصلحة الطائفة العلوية التي أخذت 34 مقعداً، على الرغم من إدخال 15 ألف جندي تركي في الانتخابات…  فألغيت الانتخابات ودخل الجيش التركي بعد أن انسحب الفرنسيون.

وصرح رئيس الدولة السورية الشيخ تاج الدين التصريح الناري التالي: (إذا ضم أخواننا الأتراك الأعزاء لواء إسكندرون فقد تسوء العلاقات بيننا لاسمح الله)!

وبما أن الله لم يسمح فلم تسؤ العلاقات. واما وزير خارجيته مردم بيك فلم يكلف نفسه بمفاوضات جنيف اي عناء للتمسك باللواء حين كان وزير خارجية ولا بمفاوضات العام الثاني من الازمة حين أصبح رئيساً لمجلس الوزراء.

وأما عربياً فقد  أرسل الملك عبد العزيز آل سعود «صديق القوتلي» البرقية التالية الى كمال اتاتورك يقول فيها :

(الأخ العزيز كمال بيك أتاتورك كم نحن شاكرين لفخامتكم معروفكم هذا بقبولكم ضم “مناطق الكفار” لواء الإسكندرون نصرة لاخوانكم في الشام رغم متاعب تركيا الكثيرة.).

كما أرسل الأمير عبدالله بن الحسين «أمير الأردن» برسالة تأييد مشابهة.

«جزء من المعلومات من الكاتب والباحث والشاعر السوري:د.محمد فريد عيسى»

أما شعبياً فسأكتفي بما رواه الشاعر سليمان العيسى عن ذكريات نزوحه عن لواء إسكندرون واستقبال أهل حماة لهم عام 1939

يتحدث الشاعر سليمان العيسى عن هجرته من انطاكية بعد سلخ لواء إسكندرون، يقول إنهم كانوا حوالي 120 طالب وطالبة على رأسهم طالب الطب وهيب الغانم:

ركبنا سيارتي “باص”، واتجهنا من أنطاكية إلى حلب، والمسافة غير بعيدة بين المدينتين التاريخيتين، إنها لا تزيـد على مئة كيلو متر إلا قليلاً، لم نحمل معنا شيئاً غير لغتنا العربية وأجسـادنا النحيلـة، والقليل من الثياب، ولم نكن نملك منها الكثير، وعقدنا العزم أن نحتلّ أول مدرسة ثانوية نصادفها حين نصل إلى حلب، ونستقر فيها على أنها مدرستنا، ولابد لها أن تحتضن أطفالها المشردين.

كان طالب الطب وهيب الغانم على رأس القافلة، وكنا جميعاً نشعر، دون أن يخالجنا أدنى ريب، أن مدارس سورية العربية كلها ستفتح لنا أبوابها وتؤوينا، وتؤمن لنـا الدراسة كما نريد. ولكن الصدمة المفاجأة كانت بانتظارنا، على أبواب مدرسة التجهيز ـ هكذا كان اسمها ـ في حلب، فما كاد مدير المعارف يسمع بوصولنا حتـى أصـدر أمره الذي تلقاه من المستشار الفرنسي بالتأكيد بطرد هؤلاء الطلاب الوافدين وعدم السماح لهم بـالوقوف سـاعة واحدة أمام باب (التجهيز) الذي ألقينا رحالنا عنده.

ولم تتردد قافلة الفتيان المشردين باتخاذ القرار، ركبنا سيارتي “الباص” اللتين كانتا تقلاننا، واتجهنا على الفور إلى مدينة أبي الفداء.. إلى مدينة حماة، ونحن ننشد في حماسة متَّقـدة:

نحن الشباب لنا الغد..

وما هي إلا ساعتان حتى كنا نـدخل مدينة حماة ونحتل ساحة مدرستها الثانوية الوحيدة آنذاك، والتـي أصبح اسمها: ثانوية ابن رشد، فيما بعد.

وفي سرعة البرق الخاطف يسري نبأ وصـولنا فـي المدينة، وقبل أن تقوم سلطة الانتداب الفرنسي بأي تصـرف تجاهنا كانت جماهير المدينة المناضلة تحيط بالثانوية التـي نزلنا باحتها، تستقبلنا بالترحيب والهتاف، وتقسم ألا يمسـنا أحد بسوء، وأن نقيم في المدرسة ذاتها، ويكـون لنـا قسـم داخلي فيها، وأن نتابع دراستنا كما كنا في اللواء، وأن البلـد بلدنا، والأهل أهلنا، وليذهب الاستعمار الفرنسي وأذنابه إلى الجحيم.

وهكذا كان .. فما كاد اليوم التالي يمضي حتى كان لنا قسم داخلي في ثانوية حماة الوحيدة، لا ندري كيف افتتح، وأُعد كلُّ شـيء فيه، لتتابع قافلة الفتيان المشردة عامهـا الدراسـي عزيـزةً مرفوعةَ الرأس.

وفي مقهى الروضة الجميل، على حافة نهر العاصي، تقيم لنا المدينة حفل اسـتقبال بعـد يـومين مـن وصولنا، واستقرارنا، احتفاء بأطفال العروبة الذين رفضـوا الاحتلال، واغتصاب الهوية والأرض، وأُلقي أنـا، شـاعر اللواء الصغير، قصيدة من أولى قصائد الجمـر فـي ذلـك الاحتفال.

العدد 944 - 20/1/2021