قضية تايوان

ريم الحسين:

يبدو أن مناكفة الولايات المتحدة الأمريكية للصين أصبحت عرفاً وعادة لدى مسؤوليها، بعد صعود الصين كقوة عالمية كبيرة لا يمكن مجابهتها بسهولة، حتى أثناء انشغالهم بأحداثهم الداخلية، فهناك من يملأ مكان ترامب المنشغل حالياً بالالتصاق على كرسي الرئاسة في البيت الأبيض. وتستغل الولايات المتحدة أي قضية من شأنها أن تؤجج النزاع مع الصين وآخرها تصريح وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، إن تايوان (ليست جزءاً من الصين)، فردّت وزارة الخارجية الصينية، إن بكين ستردّ على أيّ خطوات (تقوض مصالحها الأساسية).

استغلال المواضيع العالقة والخلافات بين الصين وبعض المناطق التابعة لها أصبح التقليد الأمريكي الذي يسارع دائماً لدعم القضايا الخلافية والنزاعات التي تحقق مصالحه في كل مكان من العالم، فكيف فيما يتعلق بعدوه الصيني الذي بات نجمه لامعاً، في حين تعاني الولايات المتحدة من التخبط والتراجع على المستويات كافة، فالعالم لم يعد مجالاً مباحاً لقطب واحد فقط يتحكم بكل مجرياته ويحرك بيادقه كما يشاء وأينما يشاء، وقضية تايوان ليست وليدة هذا التصريح، فالخلاف قديم وزاد من حدته هذ العام الدعم الأمريكي المشبوه والتصريحات المستفزة، التي جعلت الرئيس الصيني يهدد أكثر من مرة باستخدام القوة العسكرية في تايوان للجم حلم الانفصاليين ووضع حدّ للتدخل الأمريكي السافر في الشأن الصيني.

تاريخ القضية

كانت تايوان (الاسم الرسمي لها جمهورية الصين الوطنية) تابعة للصين الشعبية حتى عام 1859، ثم خضعت لسيطرة اليابان وفقاً لمعاهدة (سيمونسكي؟)، ولكن عادت للسيطرة الصينية بعد هزيمة اليابان في أعقاب الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥. وبعدها شهدت الصين حرباً أهلية لمدة ثلاث سنوات دارت بين الشيوعيين (بقيادة الزعيم ماو تسي تونغ) والقوميين (بقيادة شيانغ كاي شيك) الذي أطلق عليهم اسم الكومينتانغ، وانتهت بتأسيس الشيوعيين لجمهورية الصين وعاصمتها بكين عام ١٩٤٩. وقد غادر شيانغ برّ الصين الرئيسي برفقة أتباعه وجنوده القوميين، واستقرّ في جزيرة تايوان، التي كانت حينذاك جزءاً من الصين، وأعلن منها مدينة تايبيه عاصمة مؤقتة لجمهورية الصين، رافضاً بذلك الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية الشيوعية وسلطة ماو تسي تونغ، ومصنفاً نفسه السلطة الشرعية الوحيدة والممثل الرسمي للشعب الصيني بأكمله.

وقد بقيت ثلاث جزر كبيرة خارج سيادة جمهورية الصين الشعبية، قبل استعادتها، وهي هونغ كونغ التي كانت خاضعة للاستعمار البريطاني حتى عام 1997، وماكاو التي كانت خاضعة للبرتغال، وفورموزا المستقلة (التي اتخذت لاحقاً اسم تايوان). ومنذ ذلك الحين تسعى الصين إلى إعادة السيطرة على تايوان.

ومع اندلاع الحرب الكورية عام 1950، تعهدت الولايات المتحدة الأمريكية بحماية جميع الأنظمة غير الشيوعية في المنطقة، وعلى رأسها نظام شيانغ كاي شيك بتايوان، وانتهجت سياسة عزل الصين الجديدة واحتوائها. وتدخلت بالقوة في العلاقات بين ضفتي مضيق تايوان، التي تعتبر شأنا داخلياً صينياً بحتاً.  وفي عام 1957، اقتحم الأسطول السابع الأمريكي مضيق تايوان بأمر من الرئيس الأمريكي هاري ترومان، ودخلت الفرقة الثالثة عشرة للقوات الجوية الأمريكية ورابطت فيها. ووقعت الولايات المتحدة مع سلطات تايوان في كانون الأول (ديسمبر) عام 1954 ما يسمى بـ(معاهدة الدفاع المشترك)، ووضعت مقاطعة تايوان الصينية تحت حمايتها. وأدت السياسة الأمريكية الخاطئة المتمثلة في مواصلة التدخل في شؤون الصين الداخلية إلى مجابهة حادة وطويلة المدى في منطقة مضيق تايوان. وأصبحت مشكلة تايوان قضية حساسة جداً بين الصين والولايات المتحدة.

ومع تغير الأوضاع الدولية وتعزز قوة الصين الجديدة، بدأت الولايات المتحدة تعديل سياساتها تجاه الصين، وظهر اتجاه فك الجمود في العلاقات الصينية الأمريكية. وأجازت الجمعية العامة الـ26 للأمم المتحدة عام 1971 قرارها رقم 2758 الذي أقر باستعادة جميع الحقوق الشرعية لجمهورية الصين الشعبية في الأمم المتحدة وطرد (مندوب) سلطات تايوان. وزار الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون الصين عام 1972، وأصدرت الصين والولايات المتحدة بياناً مشتركاً في مدينة شانغهاي شرق الصين. وجاء في البيان (إن الولايات المتحدة تعترف بأن جميع المواطنين على ضفتي مضيق تايوان يعتقدون بأن هناك صيناً واحدة، وأن تايوان جزء من الصين. وإن الحكومة الأمريكية لا تعارض هذا الموقف).

ولكن كعادة أمريكا في نقض العهود، قام الكونغرس الأمريكي بالموافقة على (قانون العلاقات مع تايوان) بعد أقل من ثلاثة أشهر من إقامة العلاقات الصينية الأمريكية الرسمية، وسرى مفعوله بعد توقيع الرئيس الأمريكي عليه. وشمل هذا القانون بصفته قانوناً أمريكياً داخلياً لوائح عديدة تخالف البيان المشترك لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والولايات المتحدة ومبادئ القوانين الدولية. ووفقاً لهذا القانون الأمريكي، واصلت الحكومة الأمريكية بيع أسلحتها إلى تايوان والتدخل في شؤون الصين الداخلية محاولة عرقلة إعادة توحيد الصين. فقد بدأ المخططون الأمريكيون ينظرون إلى الصين باعتبارها تمثل تحدياً مستقبلياً على الصعيدين الاستراتيجي والاقتصادي ولابد من تطويقها. وعلى هذه الخلفية عادت الروابط الأمريكية تزدهر مع تايوان، ووصلت إلى ذروتها في عهد الإدارة الحالية.

أهمية تايوان

أهمية الجزيرة أنها تحتل موقع استراتيجي في المحيط الهندي، فهي تتوسط على بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي، ولذلك فهي تطل على جميع الدول الموجودة في هذه المنطقة ويمكنها التحكم بإمدادات الطاقة لليابان وكوريا الجنوبية أهم حليفين للولايات المتحدة، ما يعني تهديداً للوجود الأمريكي في المنطقة وقواعده العسكرية، إضافة إلى القوة الاقتصادية لتايوان وسيطرتها على حصة كبيرة من سوق التكنولوجيا والإلكترونيات حول العالم.

ومنذ سنوات تخلت بكين عن مطلبها بالضم الاندماجي الكامل لتايون في الدولة الأم، مقترحة فكرة دولة واحدة بنظامين، في صيغة مطورة لنموذجي هونغ كونغ وماكاو في علاقاتهما مع الصين، لكن تعالي أصوات بعض الانفصاليين وخصوصاً منذ تسلم تساي إينغ ون، رئاسة تايوان في عام 2016، وهي تنتمي إلى الحزب الديمقراطي التقدمي الذي يميل للاستقلال، والدعم الخارجي الكبير وخصوصاً الأمريكي، جعل الخلاف يتأجج بصورة كبيرة تنذر بحرب قد تشنها الصين لإعادة الاقليم المتمرد بالقوة إلى حضن الوطن الأم بشكل مطلق ونهائي.

وتعترف ١١ دولة فقط بتايوان، معظمها دول نامية صغيرة وجزر في أمريكا الوسطى وإفريقيا.

العدد 944 - 20/1/2021