جوهر الخلاف بين فرنسا وتركيا

د. صياح عزام:

لا شك بأن الفرنسيين يريدون العودة إلى المنطقة لإحياء مجدهم الغابر، ولكن بطريقة ناعمة إن صح التعبير، وليس على طريق العدوان والاحتلال والصلف والغباء التي يستخدمها أردوغان. ويلاحظ أن الهجوم العنيف الذي شنه أردوغان مؤخراً على الرئيس الفرنسي ماكرون يأتي كرد فعل لشخص منزعج من الموقف الفرنسي الصارم في وجه العربدة التركية في شرق المتوسط، واعتداءاتها على قبرص واليونان، وتصعيدها للعنف والإرهاب في ليبيا.

ما هو ظاهر للجميع أن فرنسا تقف إلى جانب دول أعضاء في الاتحاد الأوربي في وجه دول من خارجه، حتى لو كانت عضواً في حلف الناتو، وربما يبدو الموقف الفرنسي القوي تجاه العدوان التركي على ليبيا أكثر إزعاجاً لأردوغان مما يحدث في شرق المتوسط.

كل ذلك وارد وصحيح، لكن إذا لم نأخذ الأمور على ظاهرها، كما أشرنا إلى ذلك أعلاه، فإن ما بين فرنسا وتركيا هو أخطر وأعمق، فإلى جانب مواقف الأوربيين من الاحتلال العثماني لدولهم قديماً، وتهديدات أردوغان المتواصلة لهم بإغراق أوربا بالمهاجرين، وبينهم الإرهابيون الذين تحتضنهم تركيا وترعاهم وتستثمر بهم، إلى جانب كل ذلك يريد ماكرون تعزيز دور بلاده في محيطها وما وراءه، وبالتالي فالعربدة التركية وفرت له الفرصة المواتية.. ومن هنا فإن صراخ أردوغان أثناء انتقاده للرئيس الفرنسي ماكرون يشير بوضوح إلى القلق التركي من الموقف الفرنسي، فقد تخلى الأمريكيون، في إطار سياسة فض الارتباط مع العالم التي بدأت في الولاية الثانية للرئيس السابق جورج دبليو بوش، عن لعب دور حاسم في الصراع في المتوسط.

أما في ليبيا فالموقف الأمريكي مريب ومشبوه وملتبس، إذ يشبه إلى حد كبير موقف واشنطن في سورية، والموصوف بدعم الإرهابيين والتدخل في الشأن السوري الداخلي والاحتلال المباشر لأجزاء من الأراضي السورية وسرقة النفط السوري، لهذا يسعى الرئيس الفرنسي ماكرون إلى لعب دور يملأ فراغ غياب الأمريكيين، وتذبذب الموقف الألماني أو ليونته، إضافة إلى أن فرنسا تريد استعادة ما تسميه التميّز الأخلاقي) الذي استأثرت به بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية قبل تراجع دورهما، وما أصبحتا عليه من انتهاكٍ دائم لمعايير تقليدية حكمت السياسة الدولية، وكانتا من قبل تعتبران نفسيهما حماتها، بل انتقدتا، ووعظتا بقية الدول بشأنها. وعلى الرغم من أن ألمانيا هي الدولة الأقوى أوربياً، إلا أنها لا تمتلك ما لدى فرنسا من تراث وإمكانيات في السياسة الدولية. وبطبيعة الحال لا يمكن إغفال أمر مهم وهو أن فرنسا، كما أشرنا قبل قليل، تريد في عهد الرئيس ماكرون استعادة أمجادها الغابرة في المنطقة، ولكن بأسلوب يختلف عن عربدة أردوغان وصلفه.

نعود إلى التهجم اللفظي لأردوغان على الرئيس ماكرون وعلى الفرنسيين بشكل عام، ويتضح أن أردوغان ركز على الماضي الفرنسي الاستعماري في إفريقيا، وذكر اسمي الجزائر وراوندا تحديداً كمثال على ذلك.

إن ما فعله الاحتلال العثماني في بلاد المشرق والمغرب لم يكن استعماراً غاشماً لا يقل بشاعة عن الاستعمارين البريطاني والفرنسي! بل يتفوق عليهما في جرائمه، خاصة أنه دام لقرون طويلة.

ويؤكد المحللون السياسيون أن تركيز أردوغان على إفريقيا يشير إلى جوهر الصراع الحالي بين تركيا وفرنسا، وفي القلب منه: من ينشر الإرهاب ويسانده، ومن يتصدى له ويكافحه.

ويرى أردوغان ورعاة الإرهاب أن الساحة المفتوحة للصراع هي إفريقيا، وهي ساحة يغيب عنها الأمريكيون والإنكليز بشكل أو بآخر، أو على الأقل ليس لهم نفوذ فيها كما هو النفوذ الفرنسي.

ولما كان أردوغان قد تبنى الإرهابيين وبدأ بدعمهم مبكراً، أولاً من الصومال، ويستكمل ذلك الآن بمحاولاته تكوين بؤر أكبر وأخطر في ليبيا، فإنه لا يجد أية مقاومة لذلك من الغرب سوى من فرنسا، وهذا سر الانفعال الأردوغاني الناجم عن تصدي ماكرون لمخططات أردوغان خاصة في ليبيا.

إذاً، لم يكن ما حدث في مالي مؤخراً، والذي كان لتركيا دور مباشر فيه، بعيداً عن حملة فرنسا على تركيا، وموقفها العملي في دعم اليونان وقبرص عسكرياً في مواجهة التعديات التركية، كذلك تتخذ فرنسا تجاه الأزمة في ليبيا موقفاً حاسماً وواضحاً يقوم على رفض الميليشيات الإرهابية التي جلبها أدروغان إلى ليبيا لدعم عملائه المحليين (جماعة فائز السراج).

باختصار هذا هو جوهر الخلاف بين فرنسا ونظام أردوغان، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه إذا كانت فرنسا تسعى لمصالحها الخاصة في ليبيا وغيرها في مواجهتها لأطماع أردوغان، فإن هذا يتقاطع مع مصالح كل من يكافح الإرهاب ويسعى إلى درء مخاطره.

العدد 933 - 28/10/2020