الرهان على صعود الصين

الأمجد سلامة:

هل ستصعد الصين إذا استعادت السيطرة على طريق الحرير القديم عبر مبادرة الحزام والطريق؟ ما هو تأثير هذا الصعود على الديناميكيات الأساسية لمنظومة الاقتصاد العالمي الرأسمالي وكيف سيكون شكله؟ هل سنكون أمام مركز جديد للنظام العالمي القائم اليوم؟ أم سنشهد نظاماً عالمياً جديداً ينافس ذلك الغربي؟

ثمة الكثير من الأسئلة التي فرضتها مبادرة الحزام والطريق. إلا أنه لا بد من القول إن السبب الأول الذي فتح باب البحث في دور الصين هو تآكل منظومة الاقتصاد العالمي الرأسمالي. يعتقد إيمانويل والرشتاين أن هذه المنظومة دخلت في أزمة هيكلية بعدما وصلت الاتجاهات العلمانية داخلها إلى حدودها النهائية، وبعدما استُنفدت المساحة التي تسمح بها المنظومة للتعديل الذاتي. برأيه أنه منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي، دخل العالم عصر التحول الكبير، وفي النهاية ستحلّ محلّ هذه المنظومة منظومة جديدة موحّدة أو منظومات أخرى متعددة.

الاقتصاد العالمي

بالنسبة إلى والرشتاين، إن منظومة الاقتصاد العالمي الرأسمالي عبارة عن منظومة عالمية مع تقسيم متكامل للعمل بهياكل سياسية متعدّدة (على شكل دول). ظهر هذا الشكل من المنظومات العالمية لأول مرّة في شمال غرب أوربا في القرن السادس عشر، ومنذ ذلك الحين توسّعت لتشمل العالم بأكمله. يؤدّي تقسيم العمل داخل الاقتصاد العالمي الرأسمالي إلى تدفق السلع والعمل ورأس المال عبر مناطق جغرافية مختلفة من خلال الملايين من سلاسل الإنتاج والتبادل. كل السلاسل تبدأ بالمنتج الأولي وتنتهي عند المستخدم النهائي للمنتج. يُطلق على هذه السلاسل عبارة (سلاسل السلع العالمية). داخل كل (سلسلة سلعية)، يتم توليد قدر معين من القيمة المضافة (الفرق بين إجمالي الناتج واحتياجات الكفاف للمنتجين، التي تظهر كمبلغ معين من القيمة السوقية). وعادةً ما يتم توزيع القيمة المضافة بشكل غير متساوٍ بين الدول. وتتوزّع الدول على مواقع هيكيليّة مختلفة بطريقة هرمية ضمن المنظومة العالمية الواحدة (مركزية، أو شبه هامشية أو هامشية)، وذلك اعتماداً على حصصها المختلفة من القيمة المضافة. وكذلك، تتوزع القيمة المضافة الناتجة عن (سلاسل السلع) بشكل غير متساوٍ بين الدول بسبب اختلاف درجات الاحتكار النسبي في مراحل مختلفة من عمليات الإنتاج في كل سلسلة. ويتأسس الاحتكار النسبي حين يكون لبعض المنتجين مزايا وأفضليات تقنية أو تنظيمية أو سياسية على المنتجين الآخرين. والتوزيع غير المتكافئ للقيمة المضافة يعني أن عملية التبادل غير متكافئة.

الدول المركزية هي تلك التي تستفيد بشكل عام من التبادل غير المتكافئ وتتلقى حصصاً أكبر بشكل غير متناسب من القيمة المضافة العالمية. ويتميز الإنتاج في المركز بالربح المرتفع والأجور المرتفعة والتكنولوجيا العالية والأنشطة الاقتصادية المتنوعة. أمّا الدول الهامشية فهي المناطق أو الدول التي تعاني بشكل عام من التبادل غير المتكافئ وتتلقى حصصاً صغيرة غير متناسبة من القيمة المضافة العالمية. ويتميز الإنتاج في الهامش بانخفاض الأرباح والأجور والتكنولوجيا المتأخرة والأنشطة الاقتصادية المحدودة.

وفي الوقت نفسه، رأى والرشتاين أن الدول شبه الهامشية لا غنى عنها للاستقرار السياسي للاقتصاد الرأسمالي العالمي. فمن دون أن تعمل الدول شبه الهامشية (كـالطبقة الوسطى) في المنظومة العالمية، سيصبح الاقتصاد الرأسمالي العالمي مستقطباً بدرجة عالية، مع وجود مركز ذي حجم سكاني صغير، ولكنه ذو دخل مرتفع تواجهه مناطق هامشية منخفضة الدخل ومتجانسة نسبياً (تنتمي إليها الغالبية العظمى من السكان). والدول شبه الهامشية يمكنها أن تلعب دور (الطبقة الوسطى) المستقرة سياسياً، والتي يشغلها العدد الأكبر من السكان، فتمنع الصدام عبر تقليل الكتلة السكانية المنتمية إلى الهامش. ودول شبه الهامش هي ما يُتعارف عليه بـ(البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى) التي تظهر في مختلف الإحصاءات الاقتصادية التقليدية.

وبحسب والرشتاين أيضاً، فإن منظومة الاقتصاد العالمي الحالية في مرحلة انكماش بعد أن بلغت ذروتها خلال فترة 1967-1973. خلال فترة الانكماش، تنخفض معدلات الربح في القطاعات الاقتصادية الرائدة. وبهدف استعادة معدلات الربح السابقة، من الضروري أن تقوم الدول المركزية بخلق قطاعات رائدة جديدة (احتكارات جديدة). وذلك لكي يتم تحويل رأس المال من القطاعات المتراجعة إلى القطاعات الصاعدة، فيجب نقل موقع القطاعات المتدهورة من المركز إلى الدول الهامشية أو شبه الهامشية. فيستفيد بعض الدول شبه الهامشية والهامشية من عملية النقل هذه. تاريخياً، توفّر مثل هذه اللحظات التاريخية فرصاً للترقي داخل هرمية المنظومة العالمية.

وهذا بالضبط ما حصل مع الصين، التي كانت تعدّ دولة هامشية في نهاية السبعينيات، فاستغلت رغبة المركز الغربي في نقل القطاعات الاقتصادية المتناقصة الأرباح إلى الأطراف، ونجحت في استقطابها، ثم تحوّلت الصين مع بداية القرن الجديد إلى دولة شبه هامشية في الاقتصاد العالمي الرأسمالي.

ثلاثة احتمالات

وفي بحثه (صعود الصين وانحدار الاقتصاد الرأسمالي العالمي)، رأى لي مينكي أنّ هذه النقلة ستفرض إعادة توزيع كبيرة للدخل والثروة داخل الصين. وهذا يفرض مساراً من اثنين، إمّا إعادة توزيع القيمة المضافة العالمية من خلال حركة تصاعدية من داخل المنظومة، وهذا يعني صعود الصين إلى مصاف الدول المركزية في منظومة الاقتصاد العالمي الرأسمالي، أو أن تتحوّل إعادة التوزيع الداخلية إلى عامل للثورة العمالية الاشتراكية في الداخل الصيني.

وتشير التجربة التاريخية للقرن العشرين، إلى أنه في ظل التنافس العسكري والاقتصادي المستمّر من قبل المركز الرأسمالي، الذي يهدف ضمن جهوده الدؤوبة إلى منع احتمالات الحراك الصاعد داخل المنظومة، فإن هذا النهج هو وصفة لاحتمال من اثنين: هزيمة الصين في نهاية المطاف، أو تغيير النظام العالمي. فبحلول منتصف القرن الحالي، سيكون معظم إنتاج الطاقة والمواد الخام ومعظم الصناعات التحويلية موجوداً في الدول الهامشية وشبه الهامشية. وهذا التركيز للجزء الأكبر من مرافق إنتاج المواد والطبقات العاملة المنظمة في الدول شبه الهامشية والهامشية قد يوفّر لهذه البلدان نفوذ مساومة غير مسبوق ضد الشمال.

هذا الأمر يطرح سؤالاً حول قدرة شعوب هذه الدول على استخدام هذا النفوذ بفاعلية، وفرض إعادة توزيع عالمي هائل للقيمة المضافة العالمية وقيادة تحويل النظام العالمي من نظام رأسمالي قائم على التبادل غير المتكافئ وأرباح احتكارية كبيرة إلى اقتصاد سوق اشتراكي عالمي قائم على الإنتاج للاستخدام ونظام التبادل الأكثر مساواة، بحسب ما يقول مينكي.

هنا لا بد من أن نذكر استشرافات جيوفانّي أريغي عن أن الجولة الجديدة من التوسع المالي والمدفوعة بسوق الدولار الخارجي منذ أواخر السبعينيات ستؤدي إلى تراجع الهيمنة الأمريكية، الأمر الذي سيخلق أزمة في منظومة الاقتصاد العالمي الرأسمالي. وانطلاقاً من ذلك، يرجح أن ينزلق عالم ما بعد الولايات المتحدة إلى الفوضى المنظوماتيّة نفسها التي ظهرت منها الرأسمالية قبل نحو 600 عام. وفي مقاربته للصين ولنموذج شرق آسيا تحديداً، يتوقع أريغي أن يشهد العالم تشكّل منظومة عالمية تتمحور حول شرق آسيا. وصعود الصين يوفّر القدرة على توجيه طبيعة الاقتصاد العالمي بعيداً عن الاقتصاد الرأسمالي إلى مجتمع سوق عالمي أكثر توازناً وأكثر طبيعية. الصين قادرة على لعب هذا الدور، لأن النموذج الصيني للتنمية أقرب إلى فكرة آدم سميث الأصلية عن الدور المناسب للدولة في (المسار الطبيعي) للتنمية.

هناك عاملان تراثيان لعبا دوراً في تشكيل النموذج الصيني:

– الإرث التاريخي الطويل: دولة صينية تقليدية مبنية على الإيديولوجية الكونفوشيوسية اتخذت الاستقرار الاجتماعي هدفاً سياسياً أساسياً، وعارضت تراكماً مفرطاً لرأس المال والاستغلال المفرط للمجتمع من قبل قوى السوق. وكانت الصين تبنّت مجموعة من علاقات (السوق المجتمعي الخاصة) قبل أن تُجبر على (التحديث الغربي) في منتصف القرن التاسع عشر. يومذاك قامت الدولة بوظيفة (الحماية الاجتماعية)، وسيطرت على السوق، وقيّدت قوة رأس المال.

– الإرث الماوي: خلقت السياسات الاجتماعية الواسعة، وبضمنها التعليم العام والخدمات الطبية، رأس المال البشري اللازم للإقلاع الاقتصادي في وقت لاحق. وتجدر الاشارة إلى أن الأراضي الريفية في الصين لم تخصخص بالكامل، فأسهم الاقتصاد الريفي في الإصلاح الحضري من دون أن يُهمّش بسبب التحضر والتصنيع. نتج عن ذلك ما سماه أريغي (التراكم من دون نزع الملكية)، وهي ظاهرة ضد القاعدة العامة للرأسمالية التي تمثّل (تراكم مستمر بنزع الملكية).

إن صعود الصين ودورها المحتمل في المنظومة العالمية له أساس مختلف تماماً عن الغربيين. لذا، تنحصر الاحتمالات المقبلة لمسار منظومة الاقتصاد العالمي بثلاثة:

– أن تستخدم الولايات المتحدة هيمنتها وقدراتها العسكرية للدخول في حرب تشكيل إمبراطورية عالمية حقيقية وإنهاء التاريخ الرأسمالي.

– أن تنتهي هذه الجولة من نظام التراكم الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة بصعود الصين وشرق آسيا إلى موقع مركز المنظومة، علماً بأن الدولة أو الدول التي ستشغل هذا الموقع ستفتقر إلى القدرات اللازمة لصنع حرب تناسب الأرباح الاحتكارية والرأسمالية الكبيرة، وسينتهي التاريخ الرأسمالي من خلال نوع من الفوضى يصيب الطبقة الأساسية لاقتصاد السوق بسبب تفكّك (سلاسل السلع العالمية). بمعنى آخر، أن نعود إلى تعدّد المنظومات العالمية. فتأخذ المنظومة العالمية بقيادة الصين بعض السمات الرئيسية لـ(نموذج سميث – شرق آسيا) وتطلق العنان لقوة مختلفة جوهرياً تتيح التخلّص من تبعات المنظومة الحالية وتغيّراتها الدورية.

– أن تحترق البشرية في فظائع العنف المتصاعد الذي يصاحب تصفية المنظومة العالمية القائمة، وينتهي التاريخ الرأسمالي بالعودة الدائمة إلى الفوضى المنظوماتية.

قبل فوات الأوان

لكل كتلة من الدول (المركز – شبه الهامش – الهامش) مصالح تملي موقفها من التحوّلات التي تطول منظومة الاقتصاد العالمي. حتى الآن، يبدو أن هناك تصدعات سياسية واقتصادية داخل دول المركز، وبين دول المركز وبعض الدول شبه الهامشية، فضلاً عن أن العالم متجه صوب احتمال تشكّل منظومات عالمية متعدّدة أو فوضى منظوماتية متزامنة مع دورات عنف. أمّا أن تتمكن الولايات المتحدة من تشكيل امبراطورية عالمية فيبدو بعيداً، وإن لم ينتف بعد.

لبنان يشبه الكثير من الدول الهامشية، أي قد لا يكون مؤثّراً في الصراع ونتائجه، لكن الثابت أنه لن يترقى من دولة هامشية إلى دولة منخفضة الدخل ما دام يراهن على دوام الهيمنة الأمريكية. لذا، فإن الانخراط الآن في مبادرة الطريق والحزام (وهو توقيت متأخّر أساساً) والرهان عليها، وتالياً على صعود الصين قد تفتح مجالاً للارتقاء إلى دولة شبه هامشية في منظومة اقتصاد عالمي تهيمن عليه الصين، أو في منظومة عالمية جديدة منافسة لمنظومة الاقتصاد العالمي. كل ما سينتجه الأمر يرفع مستوى المعيشة والدخل.

إيران – الصين

في تموز الماضي، انتشر خبر توصّل الصين وإيران إلى اتفاق لتعزيز الاستثمارات والتعاون بينهما. سُرّبت وثيقة بالفارسية لمسودة من 18 صفحة لم يعلن تبنّيها أيٌّ من الطرفين. ورغم أن الحكومة الإيرانية لم تعلّق على الوثيقة المسرّبة، إلا أنها اعترفت بقرب التوصل إلى اتفاق شامل مع الصين مشيرة إلى أن مشروع الاتفاقية سيُعرض على البرلمان الإيراني.

تقول الوثيقة في جملتها الافتتاحية: (ثقافتان آسيويتان قديمتان، وشريكان في قطاعات التجارة والاقتصاد والسياسة والثقافة والأمن مع نظرة مماثلة والعديد من المصالح الثنائية والمتعددة الأطراف وسيتعاملان معاً كشريكين استراتيجيين). تأتي هذه الاتفاقية كجزء من مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ في إطار توسيع النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي عبر أوراسيا. وبحسب نص المسودة المسرّب، فإن الصين تتوقع أن تتلقى إمداداً منتظماً وبكلفة مخفّضة بشدّة من النفط الإيراني على مدى السنوات الـ 25 المقبلة، إضافة إلى تعاون البلدين في مجال تطوير الأسلحة وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتدريبات العسكرية المشتركة.

في المقابل، فإن الصين ستستثمر في إيران نحو 400 مليار دولار، تتوزّع على أكثر من 100 مشروع في مجالات الطاقة والنقل والمصارف والأمن السيبراني والمرافئ وسكك الحديد في إيران. تتوافق هذه المشاريع إلى حدّ كبير مع مساعي الصين لتوسيع نفوذها عبر (مبادرة الحزام والطريق). تشمل المشاريع المطارات والسكك الحديدية عالية السرعة ومترو الأنفاق، وستؤثّر على حياة ملايين الإيرانيين، إضافة إلى تطوير مناطق تجارة حرّة في ماكو شمال غرب إيران، وفي عبادان حيث يتدفق نهر شط العرب في الخليج العربي، وعلى جزيرة قشم الخليجية.

وبالنسبة إلى المرافئ، يتضمن نصّ الاتفاقية المسرّب، خططاً لتطوير عدد من الموانئ الإيرانية، مثل ميناء بندر جاسك الذي يقع في موقع استراتيجي شرق مضيق هرمز، وميناء جاباهار الذي كان يفترض أن تطوّره الهند للولوج إلى الأسواق الأفغانية قبل أن تتخلى عن المشروع تحت الضغط الأمريكي.

تطوير بندر جاسك مهم لأنه يمنح بكين موطئ قدم في واحد من الموانئ البحرية السبعة الرئيسية في العالم. يمكن أن يؤدي ذلك إلى تقويض الهيمنة البحرية الأمريكية في الشرق الأوسط، لأن الوجود الصيني في بندر جاسك وجابهار يسمح بمراقبة الأسطول الخامس للبحرية الأميركية المتمركز في البحرين. وإضافة إلى ذلك، فإن الوجود الصيني في موانئ جوادر (في باكستان) وجيبوتي، سيعزز وجودها في منطقة المحيط الهندي، وقد يقلص النفوذ الهندي الذي توفّره علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة ضدّ الصين. أما من ناحية إيران فيسمح تطوير هذين المرفأين بنقل ثقل شحن النفط الإيراني من الخليج الفارسي إلى خليج عمان، ويسمح لها بإغلاق مضيق هرمز من دون إيقاف تصديرها من النفط.

وفي قطاع الاتصالات تتضمن الاتفاقية مقترحات للاستثمار في البنية التحتية الإيرانية وتطوير شبكة اتصالات 5G، وتقديم نظام تحديد المواقع العالمي الصيني الجديد (بيدو). وفي مجال الأمن السيبرانيّ ستقدّم الصين المساعدة للسلطات الإيرانية لمزيد من السيطرة وتوسيع قدرتها في هذا المجال كما يفعل (جدار الحماية السيبراني الصيني العظيم).

(الأخبار)

العدد 928 - 23/09/2020