العثمانية الجديدة والصهيونية التقليدية وجهان لعملة واحدة

رزوق الغاوي:

متنوعة هي أساليبُ دوائر الشر والعداء في عالمنا المعاصر، من حيثُ ابتكارُ سبل العداوات، وصنوفُ حروبها، وتصنيعُ النزاعات، وخلقُ النزعات، واستفزازُ المشاعر، وشحنُ المزاجات، وافتعال الأزمات غير المبررة، ودفعُ الشعوب باتجاه التحارب والتقاتل فيما بينها، واستنزافُ قواها، وسرقةُ ثرواتها الوطنية، وتشويهُ ثقافاتها الموروثة، وإخفاءُ رموزها التاريخية، وتحطيمُ تراثاتها الحضارية الممتدة إلى عصرنا الراهن منذ مئات آلاف السنين.

ربما يمكن لهذه المقدمة أن تشكل مدخلاً لتناول قرار السلطان العثماني المعاصر أردوغان تحويل متحف (آيا ــ صوفيا) الذي تم بناؤه (كاتدرائية) بين عامي 532 و537 للميلاد، بتوجيه من الإمبراطور جستنيان، إلى مسجدٍ، في ما يمكن وصف ذلك القرار بأن من شأنه خلق حساسية بين أصحاب ثقافاتٍ مختلفة قد تؤدي إلى نزاعات فيما بينها (على لا شيء) سوى سفكٍ عبثي للدماء، في تزامنٍ لافتٍ مع ذهاب السلطنة الأردوغانية باتجاه افتعال حربٍ مجانيةٍ غير مبررة بين أذربيجان وأرمينيا ربما تُحَمِّلُ في حال تصعيدها شعبي البلدين وِزْرَ دفع أثمانها من دمائهم. يُضافُ إلى ذلك من جانب آخر، التدخل العثماني غير المشروع في الشأن الليبي الذي يميط اللثام عن محاولات أردوغانية لاحتلال الشمال الإفريقي على طريق إحياء السلطنة العثمانية وفرض سيطرتها على شرق وجنوب البحر الأبيض المتوسط.

لقد ذهب السلطان أردوغان بقراره الخاص بصرح متحف آيا ــ صوفيا بعيداً في تحدٍّ سافرٍ لقرار منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) إدراج هذا الصرح في عام 1985 على لائحة مواقع التراث العالمي باعتباره واحداً من أهم النصب التاريخية والرموز التذكارية التي تتمثل بالعمارة البيزنطية الرائعة.

وعلى الرغم من الاستياء الدولي متعدد المصادر من هذا القرار الأردوغاني، جاء ردُّ فعل البطريرك المسكوني (برثلماوس) الذي يعتبر (حافظ الذاكرة لأحد أكبر المقدسات) باهتاً يعكس عجزه وعدم قدرته على مواجهة القرار الأردوغاني وعلى (حماية مصالح الأرثوذوكسيين)، ويُفقده اللقب المسكوني ودوره المفترض على الساحة المسيحية في العالم، فيما جاءت ردود العديد من الرموز المسيحية الأرثوذوكسية والكاثوليكية متقدمة جداً على رد فعل البطريرك برثلماوس في استنكار القرار الأردوغاني الذي وصفه البطريرك كيريل (بطريرك موسكو وسائر روسيا) بأنه ( يترك ألماً عميقاً للشعب الروسي) معرباً عن قلقه العميق (بسبب تغيير الوضع الحالي لواحدة من أعظم روائع الثقافة المسيحية، باعتباره يشكل تهديداً لمجمل الحضارة المسيحية، ولروحانيتنا وتاريخنا).

ويبدو واضحاً وجلياً أن الواقع الراهن يشير إلى إخفاق البطريرك برثلماوس في تجسيد لقب البطريرك المسكوني للأرثوذوكسية العالمية وخاصة بعد تَمَسُّكِ بعض الكنائس الأرثوذوكسية المحلية (الأوكرانية مثلاً) بنهج بطريركية القسطنطينية الذي لا يتناسب أصلاً مع مصالح تلك الكنائس، تاركاً مهمة الإدلاء بتصريحات مدوية للكنيسة اليونانية والحكومة اليونانية التي دانت (بأشد العبارات) القرار التركي، والتي قال رئيسها كيرياكوس ميتسوتاكيس إنّ هذا القرار ( لن يؤثر أو ينال من العلاقات بين اليونان وتركيا فحسب، بل إنه سيؤثر أيضاً على علاقات تركيا مع كل من الاتحاد الأوربي و(منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم) اليونيسكو والمجتمع الدولي بأسره). في حين وصفت وزيرة الثقافة اليونانية (لينا مندوني) قرار تحويل المتحف بأنه (استفزاز للعالم المتحضر) ورأت وزارة الخارجية اليونانية أن القرار التركي يشكل إهانة للمسيحيين والمجتمع الدولي بأسره.

إن ماتقدم يشير، حسب أوساط أُرثوذوكسية متابعة، إلى تلقي البطريرك برثلماوس الإملاءات من قبل وزارة الخارجية الأمريكية، وانصياعه الكامل للسلطة الأردوغانية، وعدم رغبته في إفساد علاقته مع تلك السلطة، حتى وإن تم ذلك على حساب القضية المبدئية للأرثوذوكسية العالمية.

في السياق، وعلى الرغم من وجود علاقات صداقة بين موسكو وأنقرة، وجه البطريرك الروسي كيريل انتقاداً قاسياً لموقف السلطات التركية من قضية (آيا ــ صوفيا)، ما يشكل دليلاً واضحاً على أن الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية قادرة على وضع خلافاتها مع القسطنطينية جانباً بما يخدم المصالح المشتركة لجميع الأرثوذوكسيين في العالم، محذراً من (أية محاولة لإذلال أو إهانة التراث الروحي العريق لكنيسة القسطنطينية) التي تعتبر روسيا أنها وريثتها الرئيسية.

لقد اختار أردوغان توقيتاً خطيراً لإصدار قراره الذي من شأنه تقويض الجهود الدولية الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين ثقافات الشعوب، وإبعاد شبح الحروب عنها، ومواجهة الإرهاب الذي يستهدفها، والتركيز على ضرورة إحلال التعاون المثمر والتحاور البناء فيما بينها على أساس إنساني، بصرف النظر عن مشاربها الدينية والمذهبية.

ولو دخلنا في خلفيات وحيثيات القرار الأردوغاني لوجدناه متناغماً تماماً مع النوايا الصهيونية الرامية للقضاء مستقبلاً على كنيسة القيامة المقدسة والمسجد الأقصى الشريف وإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضهما وتكريس الكيان الصهيوني دولة عنصرية بامتياز في قلب وطننا العربي، ومن شأن ذلك تغذية الفكر المتشدد في منطقتنا والإقليم والعالم، ما سيرفع ويزيد من مستويات الاحتقان لدى الدوائر والمجموعات المتطرفة والمتعصبة دينياً وعرقياً في أكثر من ساحة عالمية، ويؤكد أن غطرسة وطغيان السلطنة العثمانية المعاصرة والمتخلفة، تشكل مع العنصرية الصهيونية الإجرامية وجهان لعملة واحدة منذ الأمس البعيد حتى اليوم.

السبت 8/8/2020

العدد 928 - 23/09/2020