الحرب السورية وكوفيد 19 تُثقلان كاهل الاقتصاد التركي

صفوان داؤد:

يبدو الاتفاق الذي أُبرم بين روسيا وتركيا، لوقف أعمال العنف في إدلب، قد صمد لفترة طويلة بعد أن كانت الأوضاع العسكرية قد تدهورت عقب الهجوم الذي شنّه الجيش السوري على القوات التركية الغازية، وأدى إلى مقتل وإصابة عشرات الجنود الأتراك. وكانت قد جرت معارك عنيفة استمرت لأشهر بين فصائل المعارضة المسلحة والجيش السوري، تمكن فيها هذا الأخير من استعادة أجزاء واسعة من ريفي إدلب وحماه. لكن ما هي الأوضاع في الداخل التركي بعد أن ترافقت تكلفة الحرب الكبيرة في سورية مع جائحة كورونا العالمية التي ضربت تركيا بقوة.

على الصعيد العالمي، وبسبب افتقار المراكز البحثية الطبية للمعلومات الدقيقة عن نشاط هذا الفيروس والغياب التام للقاحات مناسبة، دفع تركيا كغيرها من بلدان العالم إلى اتخاذ التدابير اللازمة، واضطرت الحكومة التركية إلى الاختيار بين فرض الحظر الشامل على قطاعات الحياة المعيقة للاقتصاد، أو إبقاء عجلة الاقتصاد نشطة على حساب ارتفاع معدل الإصابة. لكن أدى هذا الاختيار إلى أثمان اقتصادية أضافت بثقلها على الاقتصاد التركي المتعثر أصلاً بسبب سياسات السيد رجب طيب أردوغان الداخلية والخارجية خاصة في سورية وليبيا. على الصعيد الداخلي انتقدت الصحف المحلية المعارضة استخفاف حكومة العدالة والتنمية في التعامل مع الوباء، واكتفت بإقرار حزمة دعم مالية بقيمة 2.5 مليار ليرة تركية لدعم الأسر الفقيرة واعتبرتها كافية لحماية البلاد. وأظهرت مواقع معارضة كيف كانت استجابة حكومة الرئيس التركي مفرطة بالثقة في النفس، واستهزأت بطريقة ساخرة تبجّح بعض المسؤولين الذين ادّعوا أن المصانع المرخصة للصناعات الغربية ستنتقل إلى تركيا من الصين مع تفشي الوباء في هذه الأخيرة. لكن عندما بدأ الفيروس في الانتشار بصورة كارثية في المدن التركية خاصة في اسطنبول، اضطرت حكومة بن علي يلدريم إلى تغيير موقفها، وفرضت قيوداً مشددة وحظراً للتجول. ويفسر مختصون بالشأن التركي أن سبب تلكؤ الحكومة التركية يعود إلى خشيتها من ألا تتمكن من الخروج من الآثار الاقتصادية إذا فرضت الحظر الشامل. لكن مع ارتفاع عدد الإصابات والوفيات التي بلغت نهاية الأسبوع الماضي نحو 4 آلاف وفاة، غيّرت الحكومة التركية خططها في مواجهة هذا الوباء، وفرضت الحظر وفصل المدن عن بعضها وإغلاق الأسواق والمطارات. وفي مفارقة غريبة، وللحد من انتشار الفيروس أبقت على معتقلي الرأي في السجون، فيما أُفرِجت عن مرتكبي الجرائم المنظّمة بموجب تشريع خاص، وهي بذلك تمارس السلوكيات المُشينة نفسها التي حصلت في الدول الاستبدادية الأخرى في المنطقة.

لقد كشفت الأزمة الصحية للوباء النقاب عن مكامن الضعف التي تعاني منها تركيا بسبب خيارات السيد أردوغان في السياسة والاقتصاد. ومن الصعوبة بمكان الإبقاء على الخيارات الجيدة في خضم انخراط أنقرة العميق في الأزمتين السورية والليبية. إن تدهور الاقتصاد العام قد يؤدي إلى مخاطر انهيار محتمل في تركيا، وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الأثر الاقتصادي للوباء على العالم هو كبير للغاية، وسيؤدي إلى ارتفاع غير مسبوق في نسب البطالة وخسارة في الناتج القومي لمعظم البلدان بنسب تتراوح بين 3 الى 5.7 بالمئة، وقدر الخسارة لتركيا بنحو 5%، ومعدلات البطالة بنحو 20%، فيما بلغت احتياطيات المصرف المركزي التركي سويات متدنّية جدّاً، وهي تُستخدَم بشكل حصري تقريباً لتأمين حماية لليرة التركية. ويقول البروفيسور سيف الدين غورزيل (مدير مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية في جامعة بهجيشهر_ تركيا) إن معدل البطالة طويلة الأمد_ الأشخاص الذين يبحثون عن عمل لمدة عام أو أكثر_ سيقفز إلى معدلات مرتفعة، وبأفضل التقديرات تفاؤلاً. إن وباء كورونا سيجعل ثلث العاطلين عن العمل في تركيا من فئة العاطلين لفترة طويلة، ويُقدّر عددهم بنحو يعني 2.3 مليون شخص. واستباقاً للأحداث أوعز السيد أردوغان بتسليم شحنة من الإمدادات الطبية إلى واشنطن نهاية الشهر الفائت، وحَرَصَ شديد الحرص على إرفاقها بـرسالة منه شخصياً يقول فيها للرئيس دونالد ترامب إنه (شريك موثوق وقوي للولايات المتحدة). ويأمل الرئيس التركي على مايبدو أن تؤجل واشنطن العقوبات التي فرضتها على أنقرة على خلفية صفقة صواريخ إس-400 التي وقعتها مع موسكو عسى أن يُتاح التخفيف من الأضرار التي لحقت بالاقتصاد التركي من الوباء.

حالياً يمكن القول إن أنقرة تواجه مأزقاً سياسياً واقتصادياً غير مسبوق. ويبدو أن إصرار رئيسها على نهجه السياسي أدى إلى خسارة غالبيته الشعبية في الانتخابات الأخيرة وتضخم كبير في قيمة الليرة التركية. ومن يختبر شخصية أردوغان التسلطية كما كل الديكتاتوريين عبر التاريخ سوف يقدر النزوع مستقبلاً إلى تضاعف النزعة القومية وتمكّن المنظومة السلطوية الأردوغانية من الحكم الشامل لتركيا. ولأن للتاريخ قوانينه، السياقات الخاطئة الناجمة عن الهياكل الاستبدادية القائمة على رجل واحد، سوف تدفع بتركيا نحو الاتجاه المظلم، والمعضلات المستعصية إذا لم تُحَلّ بسياسات ديمقراطية ذات طابع اجتماعي فإن مصير تركيا سينتهي مع مصاف أشباه الدول المحكومة بالأوليغارشيات الفاسدة المنتشرة في محيطها الإقليمي.

العدد 927 - 16/09/2020