مجلس للوطن والشعب

كتب رئيس التحرير:

تجري الانتخابات النيابية القادمة في البلاد، وهي الاستحقاق الدستوري الأبرز، في ظل ظروف استثنائية، وصعبة على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.

فما تزال بلادنا تخوض مواجهة مصيرية ضد بقايا الإرهابيين، وضد العدوان التركي الغاشم، ومقاومة الاحتلال الأمريكي، ومن أجل استعادة الجولان المحتل من قبل الكيان الصهيوني، والحفاظ على وحدة شعبها. ومازال شعبنا رغم معاناته المعيشية والاجتماعية والإنسانية يقف وراء جيشه الوطني المقدام لإنجاز هذه الاستحقاقات الوطنية، ويطمح إلى مستقبل ديمقراطي.. علماني.. تقدمي.. معادٍ للإمبريالية والصهيونية، ولمشاريع الهيمنة والاستقطاب.

هذا النضال الوطني الذي تخوضه سورية وشعبها، يجري في ظروف حصار جائر، وعقوبات اقتصادية قاسية، أدّت، إضافة إلى الخسائر التي تكبّدها اقتصادنا الوطني بفعل جرائم الإرهابيين، إلى تراجع جميع المؤشرات الاقتصادية، وإلى حالة من الركود والانكماش، انعكست على الصعيدين المعيشي والاجتماعي، وأدت إلى ارتفاعات متواصلة لأسعار جميع السلع والخدمات الأساسية للمواطن السوري، وتراجع قيمة الليرة السورية إلى مستويات قياسية، وقزّمت الأجور والمداخيل، وحوّلت ملايين السوريين إلى خانة الفقر.. والفقر المدقع، في الوقت الذي اقتنصت فيه فئات من النخب البازغة ظروفَ الحرب والمعاناة لتكديس الثروات، والتحكم بالأسواق، وعقد الصفقات، والمضاربة في الأسواق البيضاء والسوداء، وشبكات فساد مدّت خيوطها إلى مفاصل أساسية في الأسواق والإدارة. في الوقت الذي عانت فيه الحكومة من تخبّط وارتباك في سياساتها الاقتصادية والمعيشية.

هذه الظروف الاستثنائية تتطلب اليوم أن يسفر الاستحقاق الدستوري عن مجلس تشريعي جديد يتبنى تلبية الاستحقاقات الوطنية الرئيسية من جانب، وطموحات المواطنين السوريين من جانب آخر.

ونأمل أن يمثل هذا المجلس أوسع تحالف للقوى الوطنية المعبّرة عن خيارات شعبنا السياسية والاجتماعية دون العودة إلى الاستئثار.. والتفرّد.. وفرض الرأي، وأن تُمثَّل فيه الجبهة الوطنية التقدمية لا كتلوين لمكوّناته، بل تعبيراً عن أهميتها، والأحزاب المشاركة فيها، في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها بلادنا، ودورها في توحيد كلمة السوريين باتجاه استمرار الصمود.. والمواجهة.

المطلوب من مجلس الشعب الجديد مواصلة سن التشريعات التي تحافظ على سيادة البلاد، ووحدتها أرضاً وشعباً، وعدم التفريط بأي شبر من ترابها، في الوقت ذاته الذي يضع القوانين التي تعظّم كرامة المواطن السوري الذي صمد، وقاسى، في سنوات الأزمة والغزو الإرهابي، وإلغاء جميع التشريعات القديمة التي تنال من حريته، بالاستناد إلى عقد مواطنة يضمن واجبات المواطن نحو سيادة البلاد ووحدتها، إلى جانب حقوقه السياسية والدستورية.

أما في الجانب الاقتصادي والتنموي، فتقع على عاتق المجلس مهمة وضع التشريعات الخاصة بإعادة إعمار الحجر والبشر والشجر، بالاستناد إلى خطط حكومية، بمعزل عن وصايا وسيناريوهات المصارف والصناديق الدولية، وأن يسهم بإنهاض الاقتصاد السوري التعددي عبر تشريعات داعمة للمنتجين الوطنيين في القطاعين العام والخاص، وأن يسعى إلى الحفاظ على ملكية الدولة وإدارتها للمرافق والمنشآت الحيوية والاستراتيجية، ويضع أسس التوجه الاقتصادي للبلاد نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمتوازنة، بالاستناد إلى الاقتصاد الحقيقي المتمثل في أولية الزراعة والصناعة .

ومازال الهم الاجتماعي والمعيشي هو الأكبر الذي ينبغي على ممثلي الشعب المنتخبين أن يعملوا على ملاقاته، وتخليص جماهير الشعب السوري من أعبائه، فالفقر والبطالة والهجرة الداخلية والخارجية وتدني الأجور قياساً إلى ارتفاع تكاليف ومتطلبات الفئات الفقيرة والمتوسطة، وتطوير العملية التربوية من خلال تحديث المناهج، وإنصاف المعلمين، ورعاية عائلات الشهداء العسكريين والمدنيين، وتسهيل عودة المهجرين إلى منازلهم وبيوتهم، ووضع التشريعات التي تنصف المرأة السورية وتساويها بالرجل، وتحفز مساهمتها في الحياة السياسية والاجتماعية في ظل علمنة الدولة، وتحييد التأثير الديني والطائفي في وضع القوانين وممارسة الدولة لمهامها كراعية لجميع المواطنين.

كما تنهض أمام المجلس الجديد مهمة تلبية طموحات الشباب السوري، وتوفير فرص العمل لهم، ومساعدتهم في تأمين مستقبلهم.

إن أي توجه حقيقي باتجاه التنمية، وحل المعضلات الاقتصادية والاجتماعية الماثلة أمام بلادنا وشعبنا، يتطلب القضاء على الفساد بالاستناد إلى تشريعات وإجراءات فورية تواجه الفساد الكبير قبل الصغير، وتعيد غرس قيم المجتمع العليا في نفوس الأجيال الجديدة من السوريين، وتردم جميع البؤر التي تسمح بتسرب الفساد.

إنها مهام كبرى، وضعها المؤتمر الثالث عشر لحزبنا الشيوعي السوري الموحد أمام بلادنا، وهي لاتهمّنا نحن الشيوعيين فقط، بل تمثل مطلباً لجميع المواطنين السوريين الذين عانوا سنوات الجمر، ويطمحون اليوم إلى سورية الغد.. السيدة، الموحدة أرضاً وشعباً.. الديمقراطية.. التقدمية.. العلمانية.

هذا ما نريده من مجلس الشعب القادم، وهذا ما يمكننا إنجازه بالاستناد إلى وحدتنا الوطنية وتوافقنا.

العدد 906 - 08/4/2020