لسان الحال

ماري مرشد:

في صغري لم يكن للتلفاز أو لوسائل الإعلام عندي اهتمامٌ كبير وقلّما يشدّني إحداها، ولكن عندما كبرت وأصبحت أنتبه لتلك القصص المعروضة، أصبح هناك شيء يجذبني لربما كان شغفاً لا أكثر ممّا جعلني أترقب المسلسل المعروض وأتابعه، ومن المسلسلات التي شدّتني كان مسلسل (كتاب الحب) فما كنت أشاهده من حلقات قد تُرجم أمامي بأشدِّ وجع، فقد ورد في ثلاثية( موطني) قصة لاجئين سوريين كانوا متوجهين إلى أوربا هرباً عبر السواحل مُتخطّين الأماكن الصعبة، كانت الحلقات تشدُّ كثيراً وتدعني شغوفة لمتابعتها وانتظارها في مواعيدها، بطلة الحلقة كانت الفنانة أمل عرفة، كانت تحمل طفلها الصغير وتصارع في وسط البحر، وبعدما ذاقت كل العناء وصلت وحاولت إيقاظ رضيعها الذي كان مفارقاً للحياة وتاركاً أمه تواجه مصيرها وحدها، كان مشهداً مكتملاً يُجسّد عذاب الأم لفقد طفلها ولنسيان تعبها أمام فجيعتها الكبيرة وهي خسارة وحيدها لتبقى بعدها صامدةً وتكمل رحلتها وتوقها للنجاة وتغيير عالمها، فهي كانت هاربة بطفلها من الموت وتأمين الحياة الأفضل، لكن الموت قد خطفه دون أن تستطيع إنقاذه أو فعل شيء من أجله. وعلى النقيض الآخر كان لقصة مسلسل (ضبوا الشناتي) عبرته على مرور حلقاته وصولاً إلى النهاية التي كانت أيضاً مأساوية مصوّرة كل أنواع التعذيب الذي حدث لعائلة بأكملها في مواجهة جميع الضغوط والمشاكل في ظلّ الحرب، من خطف وحرمان وتهجير ومشاكل قانونية، فهي العائلة التي جمعت بين متناقضات كثيرة من مؤيد ومخالف اجتمعوا كلهم في بيت واحد، وكان المسلسل ذا طابع كوميدي قريب لجميع المشاهدين في انتقاداته وأفكاره، ذلك أن هذه العائلة بعدما فقدت الأمل في الحياة على هذه الأرض قررت الهجرة إلى أوربا وترك كل أحلامها وذكرياتها الملقاة في الذاكرة والمطوية في شنتة السفر تلك.

لذا كان لابدّ أن تنتهي الحلقات بالوصول إلى أشدّ أنواع القسوة والحرمان من الجوع والعطش والمرض، وأيضاً التعرّض للاقتحام الإرهابي في نهاية الأمر، ممّا رسّخ في أفكارهم السفر وترك البلاد، وقد لقوا جميعهم مصرعهم في البحر.

تتكامل قصص الفن وعِبَرُها ليتحدث بها التاريخ ويتذكّرها في سفر الحياة الطويلة، فللفن بصمته ورسالته في تجسيد الواقع وقربه من الناس، وإظهار رسالته الهادفة للمجتمع، لأنه صوت الناس العاجزين عن البوح يأتي ويسدّ رمقهم ولو قليلاً، ويحمل في طيّاته كل الصور التي تحفل بها الحياة، فنجده تارةً يُضحكنا وتارةً يُبكينا بامتزاجه وتنوعه وملاءمته لجميع الفئات العمرية، فيقدم الجانب الرومانسي، الكوميدي، الدرامي، التراجيدي …الخ. ولا يقتصر ذلك على ما يعرضه التلفاز فقط بل يشمل جميع وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة، فهو محيط بنا من كل الجوانب، يسمح للخيال أن يسرح وربما يرى كل شخص منّا نفسه في رواية أو في مسلسل يترجم وينقل أفكاره التي ربما يعجز في البوح عنها. فهو بذلك لسان الجمهور وصوتهم الحق النابع من واقعهم والمتجلي أمامهم.

تجدر الإشارة أخيراً إلى أن الفنون ظهرت وتطورت في كل المجتمعات البشرية التي تعرّفنا على تاريخها وأساطيرها من خلال النقوش والرسوم والنوتات الموسيقية المحفوظة في العديد من المعابد والمتاحف، ولعلّ منطقتنا العربية من أغنى مناطق العالم وأقدمها في هذا التراث الإنساني والحضاري الراقي.

العدد 906 - 08/4/2020