كي لا ننسى | لحدو حنا القس.. ابن المالكية الشجاع وهب حياته لقضية الكادحين

يونس صالح:

في عام 1997 تتوارد الأخبار من بلدة المالكية، الرابضة على الحدود السورية التركية، عن وفاة لحدو حنا القس، هذا الشيوعي القديم الذي لعب دوراً هاماً في بناء منظمة الحزب الشيوعي في الجزيرة السورية لبنة لبنة، هذه المنطقة النائية بالنسبة للبلاد، والتي لم تحظَ بالاهتمام من الحكومات المتعاقبة خلال سنوات طويلة.

فمن هو هذا الإنسان، هذا المناضل، الذي وهب حياته الطويلة الناصعة كلها لخدمة قضية الكادحين، والمضطهدين في بلده الأم!؟

لقد ولد في بدايات القرن الماضي في أسرة ثرية، فهو ابن ملّاك ميسور، ومع ذلك فقد دفعته ثقافته وإحساسه المرهف بأوجاع وآلام أبناء وطنه من الفلاحين، حيث كانت تسيطر العلاقات الإقطاعية في هذه المنطقة الواسعة من البلاد، والتي امتدت لسنوات وسنوات، كان أبناء الريف في هذه المنطقة ينوءون تحت ثقلها، إلى إعلان انتمائه فكرياً إلى جانب الأكثرية الساحقة من الشعب، إلى جانب كادحي منطقته، ومع أنه ابن ملّاك، فإنه دافع خلال حياته كلها عن مطالب الفلاحين دون كلل، وكان يبدي التعاطف معهم دون تصنّع ولا مواربة.

في الأربعينيات من القرن الماضي ينتسب إلى صفوف الحزب الشيوعي في المالكية، حيث كانت تتشكل هناك منظمة شيوعية فتية، ولقد انخرط منذ انضمامه إلى صفوفها، في النضال الوطني والاجتماعي دون أن يلتفت إلى مصالحه الخاصة. كان يرى في أهداف الحزب الشيوعي خلاصاً للشعب من الفقر والحرمان، وتحقيقاً للعدالة، وكان يعتقد جازماً أن التحرر الوطني وتعزيز الاستقلال هما مرتبطان ارتباطاً عضوياً بالنضال الاجتماعي، وإن هذا الارتباط لا يمكن فصم عراه.. ولأجل ذلك أعطى كل ما يمكن أن يقدمه مناضل لهذه القضية.

في العهود الديكتاتورية اعتُقل مراراً، وعُذِّب تعذيباً شديداً، فقد السمع بإحدى أذنيه نتيجة ذلك، وفي الخمسينيات ناضل مع رفاقه في الحزب، ومع القوى الوطنية الأخرى، ضد الأحلاف وضد المؤامرات التي كانت تعمل لجر سورية إليها، وانخرط من دون حدود في معركة تعزيز استقلال البلاد وحريتها وصون وحدة أراضيها.

وكانت مشاركته واسعة في المقاومة الشعبية في الخمسينيات والستينيات من أجل ألا تنكس راية الاستقلال والكرامة الوطنية في سورية.

عمل خلال حياته كلها من أجل تعزيز التطور الديمقراطي في البلاد، ومن أجل إيجاد حلول ديمقراطية عادلة للمسألة القومية التي كانت متفاقمة في أعوام الستينيات، وكان يرى أن حل المسائل القومية مرتبط ارتباطاً عضوياً بالنضال الديمقراطي في البلاد، وليس عن طريق التعصب القومي ورفض الآخر.

هكذا عاش هذا الشيوعي، وهكذا كانت حياته، غنية، وصاخبة، ومليئة بالعمل والتضحية من أجل الشعب السوري، الذي عانى ولايزال يعاني الكثير على طريق رسم مستقبله اللاحق.

لم تكن حياة هذا الابن البار للجزيرة عابرة أبداً، لقد كانت شبيهة بالمياه العذبة التي تتغذى منها جذور شجرة الحرية كما تغذت من حيوات مناضلين آخرين عبر تاريخ هذا البلد العريق.

لقد شيع في وفاته تشييعاً مهيباً، وحزنت عليه بلدته المالكية، ومنطقته، ورفاقه، وأصدقاءه، وأناس العمل هناك، الذين لا يزالون يتحدثون عن نضالاته، وعن حبه العميق لهذا الوطن الذي أنبته وربّاه.

فلتبقَ ذكراه دائمة في ذاكرة من يعزّ عليه مستقبل الوطن، ومن تعز عليه مثل العدالة والإنسانية.

 

العدد 899 - 19/2/2020