بدنا نعيش! بين الفساد والمؤامرة

ريم الحسين:

بعد خروج عدد من أهالي مدينة السّويداء باعتصام تحت عنوان (بدنا نعيش) نتيجة الوضع الاقتصاديّ المتردّي والانخفاض الحادّ في قيمة اللّيرة السّوريّة وغلاء الأسعار الّذي أرهق المواطنين، انقلب الرّأي العامّ بين مؤيّد للاحتجاج، ومنتقد له، ومحايد، ولكلّ طرف أسبابه الموضوعيّة للاصطفاف.

فمن ناحية وجد المؤيدون لهذا الحراك أنّه حقّ ومطلب شعبيّ يجب أن يكون بشكلّ موسّع وسلميّ حتّى تتّخذ السّلطات والحكومة موقفاً حازماً من أجل إيجاد الحلول الكفيلة برفع مستوى المعيشة يبعد شبح الفقر المدقع الّذي بدأ يغزو البيوت السّوريّة مع صمت مطبق من أصحاب القرار، وأنّ الصّبر وشعارات الصّمود والتّصدي تزيد من أمد الأزمة والضّائقة، وستبقى شمّاعة للمزيد من التّقصير، في حين وجد المعارضون له أنّه سيكون ثغرة جديدة قد يتسلّل منها أعداء الوطن والمتربصون به لشقّ الصّف الوطنيّ وإحداث فوضى وتحويل مسار التّحرك إلى ما لا يحمد عقباه، وخصوصاً بعد سنوات الحرب التّسع الّتي استنزفت الوطن ودماء شبابه مستشهدين بالماضي القريب والحاضر،  فحتّى لو كان الحراك سلميّاً فقد بدأت بعض الأصوات تحرّض من الخارج وتزرع شعارات فتنويّة وكأنّ أحداث عام 2011 تتكرّر، لكن هذه المرة من باب إحداث ثورة جياع مفترضة وفي محافظة مازالت تعاني من آثار الإرهاب بشكل يوميّ رغم عدم دخوله لها بشكل كامل منذ بداية الحرب، فقد عانت الخطف أو القتل والسّرقات، إضافة إلى بثّ الفتن الطّائفية والمناطقية، وبالنّسبة للمحايدين فهم في دور المترقّب والمراقب للأحداث في صمت ضمن محاولة تكوين فكرة واضحة لاتخاذ موقف، أو أنّهم من غير المهتمين أصلاً بما يحدث بشكل عام.

كنا قد حذرنا سابقاً من ناقوس الخطر الّذي يدقّ أبوابنا ابتداءً من خارج الحدود في العراق ولبنان وتفريغ الثّورات من مضمونها الثّوري والنّضاليّ والأساسيّ، ومن الأداء الحكوميّ السيّىء والوضع الاقتصاديّ المترديّ، ولم يكن لدعوات حتّى الخبراء صدى يُؤخذ على محمل الجد، وكأنّ الحكومة عاجزة بشكل كلّي عن إيجاد المخرج من هذا المأزق والتّعامل معه، فاتّضحت الصّورة للشّعب بأنّ الأمور خارج السّيطرة، فربما وجد البعض أنّ الشّارع قد يعجّل من محاولات إعادة السّيطرة وقد يأتي بثماره ما دام تحت سقف الوطن وبشكل سلميّ ويحمل شعارات مطلبية للعيش الكريم وتأمين الاحتياجات الضّرورية للمواطنين، لكنّ الشّارع لعبة خطرة في هذا الشّرق، وعادة ما يتمّ ركوب موجة الاحتجاجات وتحريفها عن مضمونها وموضوعها الأصليّ وهذا كابوس مرعب آخر.

دعوات عديدة وجّهت لمحاولة امتصاص احتقان الشّارع ووعود قُدّمت بالإصلاح وتحسين الوضع الاقتصاديّ، وربما كان لإصدار السّيد الرّئيس المرسوم التّشريعيّ رقم 3 لعام 2020 القاضي بتشديد عقوبة كلّ من يتعامل بغير اللّيرة السّورية كوسيلة للمدفوعات أو لأيّ نوع من أنواع التّداول التّجاريّ أو التسديدات النّقديّة وسواء كان ذلك بالقطع الأجنبيّ أم المعادن الثّمينة، الصّدى الإيجابيّ لدى المواطنين بأنّه قد يضع حداً للتلاعب بسعر الصرف ومحاربة المضاربين وتجّار الأزمات وخصوصاً بعد تشديد العقوبات والجدّية في تطبيقه عن المرسوم السّابق المعمول به للحالات نفسها، ولكن المراسيم والقوانين وحدها لا تكفي إن لم يكن هناك منظومة عمل كاملة لتطبيق آلياته على الأرض، إضافة إلى دعمه بالحلول الأخرى كالبدء بالإنتاج وتوفير مصادر الدّخل والعمل للنهوض بالواقع المعيشيّ وزيادة النّاتج المحليّ الإجماليّ ومعدل النموّ وما إلى ذلك من خطوات تساعد على تلافي العقوبات، والأهمّ محاربة الفساد، ذلك أن كلّ الخطوات ستبقى في مهبّ الرّيح في حال بقي الفاسدون واللّصوص يسرحون ويمرحون ويمارسون مظاهر الثّراء الفاحش ويقفون عائقاً في وجه كلّ محاولات التّعافي.

أهالي الجبل الأشمّ أحفاد سلطان باشا الأطرش وحجاره السّوداء الّتي رضعت الكرامة والنّخوة لن يسمحوا بأن تكون السّويداء ممرّاً لأيّ فتنة قد يحاول العدوّ جاهداً إشعالها، وكما فشل في السّنوات السّابقة سيركع عند أقدام ساكنيها الشّرفاء وأسوارها المنيعة عند أول محاولة، فوعيُ المواطنين كبير وصمودهم أكبر، لكن الحذر من التّمادي في اللّعب بمقومات الحياة الأساسيّة حتّى لا يجد العدوّ ثغرة لاستغلالها، وهذا دور الدّولة بالتّكاتف مع الشّعب لتخطّي الوضع المتأزم وتلافي حدوث أي تصعيد.

فلنحاول قدر المستطاع أن نبني الوطن من جديد مهما كانت العوائق، وأن لا نسمح للفاسدين والأعداء تحقيق أهدافهم الّتي قدّمت سورية بجميع أطيافها ومدنها وقراها الدّماء لإفشالها.

سلام لتلك الدّماء .. سلام لهذا التّراب.

المجد للشّهداء، حماة الدّيار عليكم سلام.

 

العدد 899 - 19/2/2020