هوس أردوغان يهدد الأمن القومي العربي!

د. صياح عزام:

يزداد هوس أردوغان بشكل لافت للنظر وتتضاعف أوهامه باستعادة إمبراطورية أجداده الفانية والمدفونة تحت ركام الزمن، وتزيده هوساً وأوهاماً بذلك، حاشيةُ حزبه (حزب العدالة والتنمية)، سواء منهم من هو موجود في السلطة أو من هم في مواقع تشريعية، بالبصم وبالموافقة على كل ما يطلبه منهم من دون أدنى تفكير في المستقبل الأسود الذي ينتظر تركيا بعد أن أصبحت في ظل حكم أردوغان الاستبدادي تعاني من التخلف الاقتصادي والانقسامات الاجتماعية والمناورات السياسية المتهورة، وذلك قد يكون خوفاً من بطشه بمن يخالفه أو تزلفاً وبحثاً عن رضا (إله العثمانيين الجدد).

أصوات العقلاء في المعارضة التركية تصدح في مواقع ووسائل إعلامية مختلفة على الأرض والفضاء الإلكتروني، محذرة من هوس أردوغان وتسلّطه، لكن لا أحد من أزلامه ومبايعيه يسمع بعد القمع والتعذيب والقهر الذي تعرض له كل صاحب كلمة معارضة حتى لو كان كهلاً أو من رفاقه في الحزب والسلطة من ضاقوا ذرعاً بسياسته التي تكاد أن تهلك بلادهم قبل أن تنال من البلاد العربية الجارة والبعيدة.

لو أن السلطان الجديد المتهور أدرك أن التاريخ لن يعود إلى الوراء، ولا قيامة له مرة أخرى مهما هدد، أو توعد، أو زج بميليشيات مرتزقة ومتطرفة في أتون معارك افتعلها هنا وهناك، أو مهما جند أدواته الخشنة أو حتى الناعمة لإحياء (قيامة أرطغرل) أو (قيامة عثمان) التي اندثرت إلى الأبد، بعد أن طاردتهما وأبناءهما وأحفادهما لعنات الملايين من ضحاياهم موتاً وقهراً، ولن تكون لهم ولا لحفيدهم أي قيامة من جديد.

إن السلطان المغرور يريد إشعال حرب على أرض ليبيا، بعد أن أشعل حروباً مدمرة وصراعات عنيفة، وساهم في جلب الخراب والدمار لسورية والعراق وأهلها الآمنين، وبعد أن طرق أبواب السودان ووضع يده على جزيرة (سواكن) بتواطؤ مع نظام إخواني عميل خلعه شرفاء السودان وتعاهدوا على عدم عودته ثانية مهما كان الثمن.

السلطان القادم من ماض لن يعود، ماض لم يبق منه سوى ذكريات سوداء وكوابيس مزعجة ومجازر ارتكبت في البلاد العربية وغير العربية، ويكفي هنا الإشارة إلى مجازر الأرمن التي يزعج ويؤرق ذكرها الموهوم بالسلطنة في الوقت الحاضر (أي أردوغان).

بالعودة قليلاً إلى الوراء، يتضح أن تركيا في ظل حكومة السلطان العثماني الجديد (أردوغان) خرجت إلى الوطن العربي بوجهين، الأول قبل عام ،2011 أي قبل ما يسمى (الربيع العربي)، والثاني بعده وهو مستمر حتى الآن.

في الوجه الأول غلبت عليها القوة الناعمة في التعامل مع العرب: تصدير المسلسلات التي تعكس طبيعة جميلة وأماكن تاريخية ومنازل فخمة وحكايات عشق وغرام، إلى جانب عناوين جاذبة في السياسة الخارجية مثل (صفر مشاكل مع الجيران، وإلغاء الفيزا الداخلية، ولقاءات سياسية حميمة.. إلخ).

ولكن بعد سنوات جاء الوجه الثاني، وانقلب المشهد رأساً على عقب بمقدار 180 درجة، وتبين أن تركيا كانت تخبئ ما لم يكن بالحسبان، وانحدرت العلاقات بينها وبين العرب بشكل عام من علاقات عسل إلى علاقات فيها كل شيء مرّ في كل المجالات.

تدخلت في الشؤون الداخلية للدول العربية، مستندة إلى عصابة الإخوان المسلمين الشيطانية في مصر وتونس وليبيا والمغرب والأردن وسورية، وعندما فشلت تدخلاتها هذه، جاء تدخلها العسكري المباشر في سورية تحت مسميات خادعة (درع الفرات، غصن الزيتون، نبع السلام) فضلاً عن وجودها العسكري المباشر في إدلب وشرق الفرات… ولم يقف البعد الجغرافي حائلاً دون التدخل العسكري التركي (قاعدة في الصومال، قاعدة كبرى في قطر، محاولات إقامة قاعدة في السودان – جزيرة سواكن)، ثم اندفعت للتدخل في ليبيا، فحولت (مصراتة) إلى محمية تركية، وبعدها اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع حكومة عميلها (السراج)، علاوة على اتفاق تعاون عسكري بين الطرفين، وتبع ذلك تدفق الإرهابيين التابعين لأردوغان إلى الأراضي الليبية ليقاتلوا الشعب الليبي وقواه الوطنية، ما سيجعل ليبيا مسرحاً لاحتلالات أجنبية بدأت بحلف الأطلسي، لتنتهي اليوم بتركيا.

باختصار، إن السلطان (أردوغان) مهووس بإعادة أمجاد أجداده البائدة وهو يحمل مشروعاً إخوانياً خطيراً، بعد فشله في سورية والعراق ومصر والسودان، وبالتالي هو يريد أن يجعل من ليبيا منصة لتخريب شمال إفريقيا، وبث الفوضى فيه ليعوض خسائره المتتالية هنا هناك حتى في الداخل التركي، إلا أن تطورات الأحداث تشير إلى أنه يسير من فشل إلى آخر.

 

العدد 899 - 19/2/2020