في حوار مع قناة روسيا (24) ووكالة روسيا سيفودنيا.. الرئيس الأسد: الوجود الأمريكي في سورية سيولد مقاومة عسكرية تؤدي إلى خسائر بين الأمريكيين وخروجهم

أكد السيد الرئيس بشار الأسد أن لا أحد يصدّق أن تركيا تريد إعادة ثلاثة ملايين لاجئ سوري إلى شمال شرق البلاد، فهو عنوان إنساني طرحه النظام التركي والهدف منه الخداع وخلق صراع على أسس عرقية في تلك المنطقة، والمجيء بالإرهابيين إليها مع عائلاتهم ليكوّنوا مجتمعاً متطرفاً يتماشى مع الرؤية التي يسعى إليها رئيس النظام التركي أردوغان.

وأوضح الرئيس الأسد في حوار مع قناة (روسيا 24) ووكالة (روسيا سيفودنيا) أن معظم السوريين الأكراد وطنيون يقفون مع دولتهم ومع الشعب السوري، ولكن هناك مجموعات البعض منها كرد والبعض الآخر عرب تعمل بإمرة الأمريكيين، وهناك حوار معهم بعد عودة الجيش السوري إلى مناطق الشمال، من أجل إقناعهم بأن الاستقرار يحصل عندما نلتزم جميعاً بالدستور السوري. وقال: بعد تسع سنوات حرب أعتقد بأن معظم السوريين فهموا أهمية التوحد مع الدولة، بغض النظر عن الخلافات السياسية.

وشدد الرئيس الأسد على أن أي حرب تغيّر الكثير في المجتمع ولكنها لا تعني تقسيم البلد أو الذهاب باتجاه الانفصال أو نسف الدستور أو إضعاف الدولة، وأن أي شيء انفصالي لن نقبل به في أي ظرف من الظروف، مشيراً إلى أن الحرب يجب أن تكون تجربة نخرج منها بوطن أقوى.

ولفت الرئيس الأسد إلى أن الحل الأسلم لإخراج المحتل الأمريكي من الأرض السورية أن نتوحد كسوريين حول المفاهيم الوطنية، مؤكدا أن الوجود الأمريكي في سورية سيولّد مقاومة عسكرية تؤدي إلى خسائر بين الأمريكيين وخروجهم، إذ لا يمكن للولايات المتحدة أن تعيش بأي منطقة تحتلها وهي مرتاحة، وهذا ما حصل في العراق وأفغانستان، وسورية ليست استثناء بالنسبة لهذا الموضوع.

وحول تقييمه للاتفاق الروسي التركي قال السيد الرئيس: بكل تأكيد نقيّمه بشكل إيجابي، ليس انطلاقاً من ثقتنا بالطرف التركي الذي لم يكن صادقاً بشكل عام بكل التزاماته التي تعهد بها سابقاً، سواء في أستانا أو في غيرها، ولكن لاشك بأن دخول روسيا على الموضوع له جوانب إيجابية، لأننا كنا أمام ثلاثة خيارات: الخيار الأول هو الأجندة أو المخطط التركي بأبعاده الإخوانية والعثمانية، المخطط الآخر هو  المخطط الأمريكي، وهو مرتبط بالتركي، الذي أراد من دخول تركيا تعقيد الوضع في سورية، وبالتالي إبعاد الحل الذي كنا نرى جميعاً أننا نقترب منه، والخيار الآخر هو الطرح الذي طرحته ألمانيا وهو تدويل المنطقة وبالتالي إيجاد حماية دولية. كل هذه المخططات بالنهاية تعود للقيادة الأمريكية. هنا يأتي الدور الروسي بشكل إيجابي لأنه يقطع الطريق على هذه المخططات، ويلعب دوراً في سحب الذريعة أو الحجة الكردية من أجل تهيئة الوضع باتجاه الانسحاب التركي.

وقال السيد الرئيس: لا أحد يصدق أن تركيا تريد إعادة ثلاثة ملايين لاجئ سوري إلى هذه المنطقة.. هذا عنوان إنساني. الهدف منه الخداع، طبعاً حتى لو أرادوا، هذا الكلام غير ممكن لأن هذا يعني خلق صراع بين أصحاب الأرض، أصحاب المدن، أصحاب القرى، أصحاب البيوت والمزارع والحقول وغيرها، مع القادمين الجدد، لأن أصحاب الحق لن يتنازلوا عن حقهم في تلك المناطق. فهذا يعني خلق صراع على أسس عرقية، ولكن الهدف الحقيقي لتركيا هو المجيء بالمسلحين الإرهابيين الذين كانوا يقاتلون في سورية وهُزموا، نقلهم إلى هذه المنطقة مع عائلاتهم لكي يكوّنوا مجتمعاً جديداً متطرفاً يتماشى مع الرؤية التي يسعى إليها رئيس النظام التركي أردوغان، هذا هو الهدف الحقيقي، بكل الحالات سواء كانت الحالة الأولى أو الثانية كلتاهما خطيرة، وكلتاهما تهدف أو ستؤدي إلى خلق عدم استقرار في سورية، لذلك بكل تأكيد نحن نرفضه.

وتابع السيد الرئيس: موضوع المشاكل هو مع جزء من الأكراد، أؤكد مرة أخرى أن معظم الأكراد موجودون في سورية منذ عقود ولا توجد مشاكل. هناك مجموعات متطرفة، متطرفة بالمعنى السياسي، هي التي تطرح طروحات أقرب إلى الانفصال، البعض منها يتعلق بالفيدرالية والحكم الذاتي المرتبط بالأكراد، كما قلت أنا قبل قليل هذه المنطقة عربية، فإذا كان هناك من يريد أن يتحدث عن الفيدرالية فهم العرب لأنهم هم الأغلبية، هذا الكلام بديهي في مثل هذه الحالة، يختلف الوضع عن شمال العراق ويختلف عن جنوب شرق تركيا، لا توجد أغلبية كردية في هذه المنطقة، أما بالنسبة للحقوق الثقافية وغيرها فأنا دائماً أعطي مثالاً الأرمن لأنهم آخر مجموعة أتت إلى سورية منذ حوالي مئة عام، لديهم مدارس ولديهم كنائس ولديهم حقوق ثقافية كاملة، فلماذا نعطي الحقوق الثقافية لشريحة ولا نعطيها لشريحة أخرى؟ لسبب بسيط لأن هذه المجموعة طرحت طروحات انفصالية، ونحن لن نوافق لا اليوم ولا غداً، لا كدولة ولا كشعب، على أي طرح انفصالي. هذه هي المشكلة، هذه المجموعات نفسها التي تدعمها أمريكا تتحدث اليوم عن أن الوضع تغير بعد الحرب، طبعاً الوضع يتغير هذا طبيعي. أي حرب تغيّر الكثير في المجتمع، ولكن الحرب لا تعني تقسيم البلد ولا تعني الذهاب باتجاه الانفصال، لا تعني الذهاب باتجاه نسف الدستور ولا إضعاف الدولة، الحرب يجب أن تكون تجربة نخرج منها بوطن أقوى وليس بوطن أضعف، أي شيء انفصالي لن نقبل به على الإطلاق ولا في أي ظرف من الظروف.

وقال السيد الرئيس: أعتقد بالنسبة لنا في سورية، المحوران الأساسيان اللذان يعنيان ويلامسان أي مواطن بشكل يومي، هما الوضع الاقتصادي، تأمين الحاجات الأساسية، وتأمين التعليم لأبنائه، والصحة. في أي مكان ندخل إليه نبدأ بترميم المدارس بشكل عاجل وتأمين مستلزمات الدراسة ومعلمين وغير ذلك، ومن جانب آخر، تأمين عمل المشافي في تلك المنطقة. طبعاً، في الإطار نفسه، الاهتمام بالوضع المعيشي، ولكن الوضع المعيشي في سورية يخضع بشكل أو بآخر لعوامل خارجية عدة، في مقدمتها الحصار الغربي على سورية، الذي يرتبط بتأمين الوقود، المحروقات، وبالتالي الكهرباء. الحصار الذي يمنع الاستثمار الخارجي في سورية وغيرها من حالات الحصار، نتمكن من تأمين الحاجات الأساسية ولو بالحد الأدنى، في بعض الأحيان لا نتمكن من تأمينها بشكل كافٍ، هذا يحصل نتيجة الحصار، نبحث عن طرق أخرى، يساعدنا الأصدقاء، سواء روسيا أو إيران أو أحياناً الصين ببعض المساعدات الإنسانية.  هذه هي الأولويات الآن أن نقوم بتأمين الحد الأدنى الضروري لحياة المواطن.

وحول وجود المحتل الأمريكي في سورية قال سيادته: أنا دائماً أقول إن المحتل لا يمكن أن يأتي إن لم يكن لديه عملاء في البلد، من الصعب أن يعيش المحتل في أجواء كلها معادية له، فهنا نقول دائماً إن الحل الأول والأقرب والأسلم هو أن نتوحد كسوريين حول المفاهيم الوطنية، عندئذٍ سيخرج الأمريكي ولن يتمكن من البقاء. لا من أجل النفط ولا من أجل غيره. لكن مع الوقت عندما يبقى المحتل، وتجربة العراق لاتزال ماثلة للأمريكيين، كانت النتيجة غير المتوقعة بالنسبة لهم، ولكننا كنا نراها نحن في سورية، وقلت أنا في إحدى المقابلات بعد غزو العراق في عام 2003 إن الاحتلال سيولد مقاومة عسكرية. فالوجود الأمريكي في سورية سوف يولد مقاومة عسكرية تؤدي إلى خسائر بين الأمريكيين وبالتالي إلى الخروج الأمريكي. نحن لا نفكر طبعاً بصدام روسي أمريكي. هذا الشيء بديهي وهو لا يخدمنا ولا يخدم روسيا ولا الاستقرار في العالم وهو شيء خطير، ولكن لا يمكن لأمريكا أن تعتقد بأنها ستعيش وهي مرتاحة في أي منطقة تحتلها، نذكّرهم بالعراق ونذكرهم بأفغانستان، وسورية ليست استثناء بالنسبة لهذا الموضوع.

وحول اللجنة الدستورية قال سيادته: هناك محاولة تصوير أن الحل للحرب يحصل من خلال اللجنة الدستورية. الحرب في سورية لم تنشأ لخلاف أو انقسام على الدستور. الحرب في سورية بدأت لأن هناك إرهاباً بدأ بقتل العسكريين والشرطة والمدنيين وتخريب الممتلكات العامة وغيرها. فإذاً تنتهي الحرب عندما ينتهي الإرهاب. كان هناك محور سياسي موازٍ أرادت أمريكا من خلاله أن تطرح فكرة الهيئة الانتقالية، وكان هناك رفض طبعاً من قبلنا في سورية ومن قبل كل الدول التي تؤمن بالقانون الدولي، وبناء عليه انطلقت محادثات أو محور سوتشي وأنتج اللجنة الدستورية. اللجنة الدستورية تناقش الدستور، وبالنسبة لنا الدستور كأي نص من وقت لآخر لابد من دراسته وتعديله حسب المعطيات الجديدة الموجودة في سورية. هو ليس نصاً مقدّساً. لا توجد لدينا مشكلة في هذا الموضوع، فمشينا في هذا المسار.

لكيلا نبالغ بالتفاؤل ونطرح طروحات غير واقعية، لابد من أن نتحدث عن تركيبة اللجنة الدستورية، فيها ثلاثة أطراف، طرف يمثّل وجهة نظر الحكومة السورية وطرف يمثّل المجتمع المدني، وجهات نظر مختلفة، وطرف معيّن من قبل تركيا. تخيّل أنت كروسي أنك تريد أن تعدل الدستور الروسي ويقولون لك إن جزءاً من اللجنة المكلفة ذلك أو كل اللجنة، لا يهمّ، معيّن من قبل دول أجنبية، لن يكون موقفك الرفض فقط، بل ستقول إن هذا طرح وعمل أخرق، عمل منافٍ للمنطق وللواقع. ولكن هذا حصل في اللجنة الدستورية. نحن نفاوض طرفاً تم تعيينه من قبل الحكومة التركية، وهذا يعني أمريكا طبعاً، الواجهة هي تركيا، لكن هذا أمر واقع، الآن إذا أردنا أن نتوقع نتائج من هذه اللجنة فلا بد أن يكون انتماء كل من فيها هو للشارع السوري، وللشعب السوري، لا يمكن أن ينتمي لدولة أجنبية، وهم علناً منتمون لهذه الدولة. هل سُيسمح لهم بأن يكونوا سوريين بالعمق؟ هل يمكن لشخص انتمى لدولة أخرى أن يعود وينتمي لوطنه؟ لا أريد أن أعطي جواباً ولكنها أسئلة منطقية أعتقد أن كل من يستمع للمقابلة الآن ستكون لديه أجوبة منطقية لهذا السؤال.

العدد 889 - 4/12/2019