من القلب إلى القلب.. لم تعد المناصب مغرية ليكتب المديرون الذين تنحّوا مذكراتهم!

عماد نداف:

لا أعرف ما الذي يجعلني أنأى عن المناصب، وقد فعل ذلك أيضاً صديقنا الرائع الكاتب الكبير حسن م.يوسف الذي لم يتولَّ أي منصب طيلة الفترة التي عرفناه فيها قاصاً وصحفياً وكاتب سيناريو.

المنصب كما يعرف الجميع يحتاج إلى معرفة في الإدارة ومهارة أو خبرة في العمل الذي يتولاه صاحب المنصب، يعني إن من المعيب تماماً أن يتولى شخص ما إدارة شركة غذائية واختصاصه ميكانيك حفارات مثلاً، ومن المعيب مثلاً أن يتولى بائع عصير منصب مدير مدرسة حتى لو كانت ابتدائية، فالإدارة ينبغي أن تكون لمن يستحقها فعلاً!

وحظي في هذا المجال وافر، فقد عُرضت عليّ مهمات كثيرة، وكنت أتردد وأرفض، ومن بينها العروض التي قدمها وزير الإعلام السابق المهندس محمد رامز ترجمان بتولي إدارة القناة الفضائية أو قناة دراما. وكان أحد الوزراء قد عرض علي من قبل إدارة المركز الإخباري، وقد توليت على سبيل التجربة إدارة البرامج في تلفزيون الدنيا لسنتين ونصف ثم إدارة البرامج السياسية في الإخبارية لأقل من سنة، وآخر عمل قمت به هو رئاسة تحرير موقع هاشتاغ سيريا على مدار السنة قبل الماضية.

وأقول صراحة إن مهمتي كانت إعداد البرامج أكثر من إدارتها. والتحرير أكثر من الجلوس وراء الكرسي، أي صلب المهنة وليس صورتها، وكنت أخاف أن لا أنجح، وكان سهلاً علي ترك العمل إذا عجزت عن تحقيق النجاح!

ترى لماذا تُغري المناصب الناس؟!

هل للمكانة التي تضعهم فيها دور في هذا الإغراء؟!

أم أن هناك مردوداً مالياً يعود على صاحب المنصب لا نعرفه، أم هي السيارة التي تخصص له مع وقودها، أم مجموع آليات التملق التي يحظى بها صاحبنا عندما يجلس وراء الكرسي، ويتوافد عليه أولاد آدو ليورطوه بما يحيكونه له وللعمل؟

الأسئلة كثيرة فعلاً ومهمة وقد يكون وراءها الرغبةُ في الانخراط في عمليات فساد كبيرة. لكن الأهم في المسألة هو (النجاح)، وعندما يتحقق هذا البند لا بأس من أن تتراجع كل الرغبات خلفه، فهل يغريني منصب ما إذا كان بإمكاني تحقيق نجاحٍ كبير؟ هذه هي القاعدة التي ينبغي أن يبنى على أساسها الاندفاع نحو المناصب.

وأود أن أقول شيئاً: المناصب هذه الأيام لم تعد مغرية، فالموظف الأدنى قد يكون أقوى منك. والموظف الأعلى قد يكون سليط اللسان ويكبل أي مبادرة لديك، وقد تكون السكرتيرة قادرة على إقالتك ورفع صوتها في وجهك.

وأيضا لم تعد المناصب دائمة وطويلة الأمد، فقبل أن تسخن الكرسي تحت المدير يجمع أشياءه ويرحل لأن هناك من جهز نفسه ليحل محله، ويا حسرة على الذين لا يجدون مكاناً بعد التنحية ولو كان هذا المكان مختاراً لحارة كل مين إيدو إلو!

أتسمعون رأيي؟!

اطلبوا من كل المديرين الذين تنحّوا أن يكتب مذكراتهم!

العدد 890 - 11/12/2019