«صديقي الأخير».. لسورية المتجددة!

يذكي صديق الروح وجد الانعتاق، ويسرع صديق الحياة دفة التفكير، لتصفو نفوسٌ شابها الارتياب فترتقي إلى الملكوت الأعلى.. أما الصديق الأخير فهو فرصة باقية تعري الإنسانية من قشرتها الملتصقة بأوهام الخلود الزائفة.. صديقي الأخير هو أيضاً دعوة سينمائية وجهها المخرج المتميز جود سعيد لإنساننا السوري الممزق بين ظلام جاهلي يحرك الغرائز ويستعدي الكرامة والشرف، وشغف يتوثب لمعانقة الحياة الأصيلة التي غلبه التوق إليها.

يتكئ (سعيد) على شعبية المخرج عبد اللطيف عبد الحميد، لتحقيق مواجهة مستحيلة بين عالمَيْ الحياة والموت، لمصالحة أتباع التمايز اللاهوتي في نسيج الحياة السورية. أتباعٌ كتب عليهم أن يجددوا تناحرهم، لأن المولى الأمريكي ظمئ إلى نبع الحضارة السورية، فخاله قريب المنال.

تبدأ المواجهة من لحظة النهاية حين يرمي الطبيب خالد (عبد المنعم عمايري) سلاحه مغادراً الحياة، وتاركاً لصديق أخير مجهول أعباء الثقل المتناسخ من جريمة قابيل. وتكون واسطة الالتقاء أشرطة تسجيلية للطبيب، يسرد فيها ظلامته التي كبرت حتى اغتالت الإنسان في داخله يأساً وتحدياً للقاتل الأنيق المتسربل بلقب الأب!

مع توالي الأشرطة تنبض حياة طبيب شاب، تمرد على جبروت الأسرة المسيَّج بالمال والسلطة، فتزوج من معشوقته الأجنبية وأنجب منها طفلة جميلة.. ولأن الأحلام لا تثمر واقعاً جيداً في معظم الأحيان، تتبعثر الأسرة الصغيرة بعد مقتل الأم المريضة خنقاً بيد خالد، ونبذ الجد لحفيدته احتقاراً لأمها. فطغيان المال يحصن عبيده ضد التعاطف الإنساني مع متمردي الأسرة المصنفين أغياراً.. لذا لا يجد طيف الطبيب صديقاً له إلا المحقق الكهل (عبد اللطيف عبد الحميد)، الذي زفر شقاء الحياة وتقاسم المودة مع الآثم الراحل، منتزعاً طفلته من براثن الجاحدين الفاقدين لإنسانيتهم. وأصبح الجد للحفيدة الطارئة على حياته وعلى مساره العقائدي، يتشارك معها عفوية الانتماء إلى الهوية السورية الأصيلة.

يتقابل المحقق ووالد الطبيب، التاجر الشامي الثري، الذي يرسم مباشرة الحدود بين من يملك ومن لا يملك، بشرح الفرق بين مشروبَيْ النبيذ المعتق والعرق المحلي، فالأول للصفوة من ذوي النفوذ، والثاني للفقراء شركاء الإنسانية والشقاء.. وهي فكرة تتأكد حين يجتمع المحقق بأهل الحارة البسطاء، يتقاسم معهم طعامهم، ويشاركهم شغفهم بمتابعة مباراة كرة القدم والهتاف للفريق المحلي. وهي مناسبة يستغلها المخرج برفع أعلام الوطن، لتأكيد أن الوطن يحمله هؤلاء البسطاء، بشوقهم للنصر ودخول التاريخ ولو من خلال مباراة كرة القدم. فالولد الأخرس يتجاوز إعاقته ليهتف رافعاً العلم السوري: يكفينا خسارة! هذا العلم الذي رفعه بوَّاب المدرسة (أندريه سكاف) يوم انتصرت سورية على فرنسا في المباراة، واحتفظ به ليوم نصر كبير، ثم قدمه للطفل بمحبة وكأنه يهب أثمن ما عنده.. وعلم (سعيد) هنا يجمع بين من أُريدَ دفعهم للاحتراب، ويوحدهم في بوتقة مصير واحد، هوية سورية تسيج كرامة طالما تغنَّوْا بها.  خص (جود سعيد) الممثلين الكهول بأدوار الحارة الشامية، والذين رسموا في أعمالهم السابقة، شقاء الشارع السوري وسعادته، وترك للشابَّيْن فادي صبيح في دور شقيق خالد، ومكسيم خليل في دور المحقق الفاسد، متابعة استغلال الكادحين، في تأكيد آخر أن الفساد لا دين له.. ودرب الخيانة ساحة تقسيم بين منافقين مرتهنين وشرفاء سيجوا ما بقي من الوطن وقاتلوا ببسالة لنعود سوريين.

العدد 938 - 02/12/2020