بُنى هشّة ونقد ضعيف.. من يحمي الليرة السورية الجديدة؟

د. أيهم أسد:

أصبحت العملة السورية الجديدة أمراً واقعاً بعد بدء طرحها للتداول مطلع عام 2026، لكن الأمر الأكثر واقعية وما يجب التفكير فيه بعد طرحها هو كيفية حماية هذه العملة، كيفية دعمها، كيفية الحفاظ على قوتها الشرائية؟

هنا يأتي الجواب ببساطة أن القضية كلها باتت مرتبطة بالبنية الاقتصادية والسياسية للدولة، فالعملة الجديدة تحتاج إلى بنية اقتصادية جديدة وتحتاج إلى هوية اقتصادية جديدة، بل تحتاج أكثر من كل ذلك إلى رؤية اقتصادية لمستقبل الاقتصاد السوري، لأن سيادة العملة مشتقة من السيادة الاقتصادية للدولة.

أليس النقد ظل الاقتصاد؟ فكيف يستقيم الظل إذا كان الأصل معوجاً؟

ولكن ما الذي يحمي النقد؟ وما الذي يجعله نقداً قوياً ومستقراً؟ بل يمكن طرح السؤال بالطريقة التالية: ما هي مصادر حماية النقد الوطني الجديد؟ وهل يا ترى تتجسد تلك المصادر بالمصادر الاقتصادية فقط؟ أم بالمصادر الاقتصادية والسياسية معاً؟ الأمر الذي ينقلنا من تحديد عوامل قوة العملة من حقل التحليل الاقتصادي البحت إلى حقل تحليل الاقتصاد السياسي للنقد.

تستند الإجابة العلمية عن سؤال (من يحمي النقد؟) إلى النظرية الاقتصادية العامة والتي تقول بأن قوة الاقتصاد ممثلة بالناتج المحلي الإجمالي وتركيبة ذلك الناتج هي خط الدفاع الأول عن العملة الوطنية، فالإنتاج النوعي والكمي معاً والقادر على تلبية الطلب المحلي والقادر على استغلال وإدارة الموارد المحلية بكفاءة وفعالية والذي يقلل الاستيراد ويشغل اليد العاملة الوطنية ويعتمد التكنولوجيا والمعرفة أساساً لبنيته وتطوره لا بد له أن يحمي النقد، فالاقتصاد القوي ينتج نقداً قوياً، فهل يجري العمل على هذه البنية الاقتصادية في سورية؟

وتأتي الاحتياطات الأجنبية الدولية وحصة الدولة في صندوق النقد الدولي والذهب والأصول المالية كالسندات التي تملكها الدولة في البنك المركزي بمثابة خط الدفاع الثاني عن قيمة النقد، والتي تستخدمها الحكومات فيما يسمى بـ(تغطية العملة المحلية أو التغطية النقدية) والذي تستخدمه كمزيج بين المكونات السابقة للدفاع عن التقلبات في قيمة العملة ولمواجهة التقلبات في السيولة المحلية (العرض النقدي الموسع)، لكن هذا الخط مستمد واقعياً من خط الدفاع الأول، فالاقتصاد القوي ينتج أصولاً مالية قوية وينتج احتياطيات نقدية دولية قوية ولا يستنزفها بالواردات الكمالية وتحرير التجارة غير المنضبط، وبالتالي ينتج بنك مركزي قوي قادر على حماية النقد، فهل يجري العمل على هذه البنية النقدية في سورية؟

ويأتي الاستقرار السياسي الداخلي بمثابة العامل غير المادي الداعم لقوة العملة الوطنية، فالاستقرار السياسي والأمني الداخلي وانعدام التوترات والصراعات الاجتماعية الداخلية بأنواعها كافة، والسيطرة على العنف المجتمعي السائد، والسيطرة على شبكات الفساد، والثقة بالنظام السياسي وبدرجة شرعيته وبقدرته على إدارة العدالة الاجتماعية بكفاءة وبدرجة حوكمته والثقة بقدرة المؤسسات السياسية والثقة بالتشريعات الصادرة عن النظام السياسي تأتي كلها بمثابة العوامل غير الاقتصادية الداعمة للثقة في العملة الوطنية والداعمة أساساً لبنية اقتصادية حقيقية قادرة على إعادة إنتاج الثقة بالنقد، فهل يجري العمل على إنتاج هذه البنية السياسية في سورية؟

النقد الجديد صدر وانتهى الأمر، لكنه صدر ضمن بنى اقتصادية وسياسية تتسم بالهشاشة، والتي إن لم تتغير فإنها لن تكون قادرة على حماية الليرة الجديدة، فالتغيير العميق هو وحده القادر على إنتاج ليرة قوية، ورغم ذلك ينتظر السوريون مع بداية عام 2026 اقتصاداً قادراً على حماية ذلك النقد، ينتظرون اقتصاداً مؤسسياً محوكماً يعرفون من خلاله إلى أين تتجه البلاد. السوريون ينتظرون مستقبلهم الاقتصادي سواء مع نقد قديم بأصفار كثيرة أو نقد جديد بأصفار أقل.

 

موقع هاشتاغ، 30 كانون الأول 2025

العدد 1181 - 7/01/2026