معطيات التنوير وتجلّياته في عالمنا العربي 

د. عدنان عويد: 

في المفهوم

     ينصرف مفهوم التنوير من حيث المبدأ برأيي، إلى ضرورة اعتبار أن العقل الإنساني وحريّة الإرادة الإنسانيّة، هما المنطلق أو المصدر الرئيس لكل النشاط الفكري والعملي لحياة الإنسان، وبالتالي تأكيد ذات الإنسان واستقلاليتها، إضافة إلى ضرورة الإقرار أيضاً، بأن الظواهر بعمومها الطبيعيّة والاجتماعيّة المحيطة بالإنسان أو التي ينشط فيها لإنتاج خيراته الماديّة والفكريّة، هي ظواهر لا تقوم على الثبات والإطلاق، بل تقوم على الحركة والنسبية.

والتنوير، وفقاً لهذا المعطى، موقف إشكاليّ من حيث تحديد بدايته الزمانيّة والمكانيّة، وبالتالي تحديد مصدره الحضاري، بالرغم من كونه كمشروع حضاري قد نما وترعرع وتبلور في الغرب، وشكّل فيما بعد أحد المكونات أو المقومات الرئيسة للحضارة الغربيّة في شقيها المادي والفكري معاً.

 

معطيات التنوير وتجلّياته في عالمنا العربي 

     يبدو أن سؤال النهضة والتنوير في وطننا العربي لم يزل هو ذاته السؤال الذي طرحه الطهطاوي عام 1834 في كتابه (تخليص الإبريز..)، وهو ذاته السؤال الذي طرحته مجلة (الجنان) عام 1870 (من نحن؟)، أو سليم البستاني: ( لماذا نحن في تأخر؟) ، وكذلك أسئلة كل من أديب اسحق – الأفغاني – محمد عبده – رشيد رضا – قاسم أمين – شبلي شميل – أنطون فرح – القاسمي – الريحاني – رفيق العظم – سلامة موسى – التيزيني – الجابري – العروي – ياسين الحافظ ، وغيرهم كثير من المفكرين العرب، منذ بداية القرن التاسع عشر وصولاً إلى بداية القرن الحادي والعشرين.

نقول: إذا كانت أسئلة النهضة والتنوير ظلت هي ذاتها تُطرح منذ أن بدأ العرب عبر كتّابهم ومفكريهم يحسون بحالات التخلف المزري الذي يعيشونه، مقارنة بالغرب الذي أخذوا يلمسون حالات تطوره وتقدمه عبر مشاهداتهم المباشرة واطلاعهم على أدبياته الفلسفيّة والأخلاقيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، فإن الإجابات عن هذه الأسئلة كانت مختلفة ومتفاوتة في طبيعتها وإدراكها لعمق أزمة التخلف التي تعيشها أمتنا العربيّة عند هذا الكاتب أو المفكر أو ذاك. وعلى الرغم من أن طبيعة الإجابة وتحديد مكامن الأزمة، قد ارتبطت بالمواقف الفكريّة أو الأيديولوجيّة للكتاب العرب ومفكريهم الذين انقسموا ما بين أصولي ديني متطرف، وجد العلة في الابتعاد عن الأصول الدينيّة، والرافض في الوقت نفسه لأي انفتاح على الغرب الكافر حسب رأيه. أو رجل دين معتدل آمن بضرورة الوقوف عند معطيات الحضارة الغربيّة والأخذ منها ما هو نافع لهذه الأمّة وغير ضار بدينها وأخلاقها. وكاتب ومفكر علماني آمن بالفكر القومي واليساري وضرورة الانفتاح على الآخر والاستفادة من تجاربه فيما يخدم نهضة هذه الأمة وتقدمها.

     نقول: بالرغم من هذا التفاوت بين حضارة الشرق والغرب، إلا أن هناك قناعة مشتركة لدى الكثير منهم بأن هذه الأمّة مأزومة بتخلفها الشمولي، هذا التخلف الذي عبر عن جانبه الفكري والاجتماعي والسياسي الشيخ رشيد رضا عام 1898 بقوله: (… حتى أصبح الجبر توحيداً، وإنكار الأسباب إيماناً، وترك الأعمال المفيدة توكلاً، ومعرفة الحقائق كفراً وإلحاداً، وإبداء المخالفة في المبدأ ديناً، والجهل بالفنون والتسليم بالخرافة صلاحاً، واختبال العقل وسفاهة الرأي ولاية، والذل والمهانة تواضعاً، والخنوع للذل والاستسلام للظلم رضاً وتسليماً، والتقليد الأعمى لكل متقدم علماً وإيقاناً.) (1).

أما جانبه الاقتصادي فقد عبر عنه المفكر النهضوي فتحي زغلول عام 1899 بقوله: (… نحن ضعفاء في كل شيء تقوم به حياة الأمم، متأخرون في كل شيء عليه مدار السعادة.. ضعفاء في الزراعة، ضعفاء في الصناعة، وليس منا إلا الفعلة والعتالون ومنفذو إرادة الأجنبي، ليبقى هو، ونموت نحن ليحيا، هذه المعامل الفسيحة والمصانع العظيمة التي أقيمت بين بيوتنا كلها للأجنبي.. – ثم يتابع – نحن ضعفاء في التجارة، ضعفاء في العلم، اللهم إلا علم مداره جهل حقائق الأشياء في الوجود، أما المفيد فيه فقد اقتصرنا على ما يختص بعلاقة الإنسان بربه، والباقي حكمنا عليه كله بالإعدام.) (2).

هذا في الوقت الذي أبصر فيه الكثير من هؤلاء الكتاب والمفكرين النهضويين العرب الأسباب الحقيقية الكامنة وراء أزمة التخلف هذه، فكانوا يقترحون الحلول المناسبة لتجاوزها، ولكن كلاً من موقعه الفكري والطبقي ودرجة ثقافته ونوعيّتها ومرجعيّتها. ما جعلنا نعمل على اصطياد هذه الأسباب والحلول اصطياداً في تلك المواقف الفكريّة النهضويّة التنويريّة التي جاءت متفرقة هنا وهناك عند هؤلاء الكتاب لنصل إلى نتيجة في هذا السياق تشير، إلى أن أهم أسباب الأزمة مجتمعة هي: التخلف الاقتصادي عموماً – زراعة وصناعة وتجارة- لا سيما سيادة أنموذج الاقتصاد الريعي والأبوي، وضعف التطور التكنولوجي والعلمي، وغياب الأنظمة الدستوريّة ودولة القانون، وسيادة الطبيعة الاستبداديّة لأنظمة الحكم القائمة على مفاهيم الدولة المملوكيّة، والأميريّة الإقطاعيّة العسكريّة ومرجعياتها التقليديّة – العشيرة والقبيلة والطائفة –، إضافة إلى سيطرة الغرب بشكل مباشر أو غير مباشر على الأنظمة السياسيّة العربيّة ومقدرات الشعوب وربطها بالمتروبول، وعدم امتلاك هذه الأمّة للكثير من العلوم البرانيّة التي يقوم عليها مدار حياة الأمم على حد تعبير الطهطاوي، وقد حددها آنذاك بـ14 علماً نذكر منها: علوم التربية والحقوق الطبيعيّة والوضعيّة والعلوم العسكريّة وعلم الميكانيك وعلم الكيمياء …الخ، وهناك أيضا غياب القوى الاجتماعية الواعية لذاتها المنوط بها العبء النهضوي والتنويري (الطبقة الواعية لذاتها)، واقتصار هذا العبء على شرائح الأنتلجنسيا التي غالباً ما دخلت وتدخل في حالات صراع مع السلطات السياسيّة القائمة، وهناك غياب دور المرأة واضطهادها تحت ظل سيادة المجتمع الذكوري، وانتشار الأميّة بكل دلالاتها ويأتي على رأسها أميّة الحرف، وغياب الحريات في كل اتجاهاتها بدءاً من حريّة الرأي، مروراً بالحريّة السياسيّة وصولاً إلى الحريات الإبداعيّة في الأدب والفن، وغياب التفكير العقلاني والنسبي، وانتشار التفكير الجبري والامتثالي والإطلاقي، إضافة إلى انتشار الفقر والظلم والاستبداد، وغياب الرأي والرأي الآخر ومقومات الحوار الإبداعي المثمر، وغير ذلك الكثير من الرؤى والأفكار التي حددت معوقات التنوير والنهضة العربيّة .

أمام هذه المعطيات التي حددت أساب أزمة التخلف العربي، نجد في المقابل تلك الرؤى والأفكار النهضوية التنويرية التي راحت تطرحها النخب المثقفة ذاتها من كتاب ومفكرين عرب، وفي الفترة ذاتها أيضاً، كما أشرنا في موقع سابق، والتي نستطيع تحديد أهمها بالتالي:

     الدعوة إلى تطبيق شعارات الحريّة والعدالة والمساواة، ووضع دساتير وضعيّة للبلاد تتناسب وتطلعات الشعوب في تحقيق حالة المواطنة، والتخلص من الأميّة، وتعميم المدارس لنشر التربية والتعليم بين أفراد الشعب، إضافة إلى تطوير الاقتصاد من خلال تنمية الزراعة والصناعة والتجارة، والمطالبة بحريّة الرأي والصحافة، والتأكيد على حريّة المرأة ومساواتها بالرجل، ومحاربة الاستعمار بكل أشكاله وأساليبه، والدعوة إلى العلمانيّة والحد من نفوذ القوى التقليديّة في المجتمع العربي من عشائريّة وطائفيّة وقبليّة ومذهبيّة، ونشر وتعميق الممارسة الديمقراطيّة السياسيّة والاجتماعيّة، والتصدي للفكر الرجعي والامتثالي بكل أشكاله وأصوله، والعمل على نشر الفكر العقلاني والعلماني وتعميقه، والتمسك بالقيم الدينيّة العقلانيّة السمحة، وكذلك الدعوة إلى الوحدة العربيّة ومحاربة التجزئة والاستغلال الاجتماعي والاقتصادي وتطبيق العدالة، وغير ذلك من القضايا التي شكلت المعطيات الفكريّة للمشروع التنويري النهضوي العربي.

على العموم، إذا كانت معطيات التنوير في بنيتها الفكرية عموماً، وبالتالي ظروفها الموضوعيّة، يمثلها  فكراً وممارسة حواملها الاجتماعيّة النخبويّة السياسيّة منها والثقافيّة، فإن إشكالاتها تكمن كما يبدو لنا في طبيعة هذه المعطيات ذاتها أيضاً، وبخاصة على مستوى حواملها الاجتماعيّة، التي لم تستطع أن تقدم مشروعاً فكريّاً متكاملاً ومتجانساً بل ومنسجماً مع ذاته ومع الظروف الموضوعيّة المحيطة بهذا الحامل، كون هذه الحوامل لم تنشأ عن خلفية أيديولوجية أو عقيدة أو ولاءات سياسيّة وطبقية واحدة، أو حتى تحقيق تصور منسجم أو مطابق تجاه جملة الظروف التي كانت ولم تزل تعيشها البلاد العربيّة.

     إن فقدان هذا الانسجام في التصور والهدف والعقيدة الفكريّة والطبقيّة لدى هذه الحوامل الاجتماعيّة، جعلها في واقع أمرها تلهث وراء الحدث السياسي، وبالتالي تتقلب في رؤاها ومواقفها الفكريّة بما يتفق وطبيعة هذا الحدث السياسي القائم أو ذاك، لذلك غالبا ما نجدها تميل تارة إلى العقلانيّة والعلمانيّة في حالات الانفراج السياسي وتطبيق الدستور من قبل السلطات القائمة، ونجدها تارة أخرى تميل إلى القوميّة والوطنيّة في حالة المد القومي، أو تميل إلى النزعة العثمانية/ التركية عندما تفرض سياسة التتريك، أو هي مع الاستبداد المستنير في حال سيادة الحكم المطلق، وغير ذلك.

ولا بد لنا هنا من الإشارة إلى مسألة مهمة بالنسبة للفكر التنويري النهضوي العربي، التي تشكل أيضاً أحد إشكالات هذا الفكر ولم تزل، وهي أن معظم هذه الأفكار التنويريّة لم تكن نتاجاً طبيعيّاً للواقع العربي، وإنما هي في معظمها رؤى وأفكار التنوير الغربي التي تأثر بها الكتاب والمتنورون العرب الذين درسوا في الغرب، وعملوا على نقل وترجمة  قسم كبير منها بشكل ميكانيكي إلى الساحة الثقافيّة والسياسيّة العربيّة، لذلك ظل في الواقع قسم كبير منها مفارقاً لظروف الواقع العربي الموضوعيّة والذاتيّة معاً، ما يجعلنا نجد أن قسماً كبيراً من هذه الرؤى والأفكار التي طُرحت منذ بداية القرن التاسع عشر، لم تزل هي ذاتها تُطرح حتى هذا التاريخ من القرن الحادي والعشرين، وهذا بالذات ما طبع المشروع التنويري النهضوي العربي بطابع الشكلانيّة، وَحَوَلَ الكثير من شعاراته العقلانيّة إلى شعارات وصفية لا أكثر.

كاتب وباحث من سوريّة.

d.owaid333d@gmail.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- الأفـكار والمفـكرون في فـترة العصور الوسطى، المرجع الإلكتروني للمعلوماتيةhttps://almerja.com › readin

2- المصدر ذاته – ص12.

للاستزادة في هذه الدراسة، يراجع كتابنا: (التبشير بين الأصولية المسيحية وسلطة التغريب). إصدار دار التكوين – دمشق – 2011.

العدد 1191 - 18/03/2026