رجل الفكر بين سقف الحرية وحدود الإبداع
يونس صالح:
إذا كان الشعب يجني الثمار من المعلم في حقل التعليم، ومن الطبيب في مجال الصحة، ومن المهندس في مضمار البناء والتكنولوجيا، وغير ذلك مثلاً، فإن ما يناله من المفكر والكاتب يشمل مختلف منازع الحياة وشتى دروبها وسائر مساراتها.
وبتعبير آخر فإن كان معظم أصحاب الأعمال والمهن المختلفة يتحركون ضمن مجالات ضيقة ومساحات محدودة لا تتعدى حدود تخصصاتهم، فإن رجل الفكر يعمل في رحاب فضاءات شاسعة وامتدادات واسعة، لا تحدها تخوم. فهو يغمس قلمه في مداد القضايا الكبرى التي تهم شعبه، ويوغل عميقاً في جذور المشكلات التي تثقل كاهله وتقض مضجعه، محاولاً وقف النزيف وإبراء الجروح، وحل المعضلات، والتخفيف من أهوال المآسي، وإنارة بعض الشموع في ظلمات الدروب المعتمة والكهوف الموحشة، إن استطاع إلى ذلك سبيلا.
ومن هنا ربما يحق لنا القول إن دور الكاتب رجل الفكر هو من أهم الأدوار، وذلك بفضل شمولية توجهاته واتساع حدود تأثيراته وتعدد مجالات حركته التي تمتد إلى مختلف قطاعات الحياة، بدءاً من الثقافة، مروراً بالاقتصاد والقانون والتربية، وانتهاء بالسياسة وغيرها. وإذا كان الأمر كذلك، فإن من المفيد فتح أبواب النقاش والحوار حول أهمية دور الكاتب ورجل الفكر، والشروط التي يجب أن تتوافر له حتى يؤدي واجباته على أحسن وجه، وكي يطلق العنان لطاقاته الإبداعية ويرفع مستوى إنتاجه مما ينعكس بطريقة إيجابية على أوضاع الوطن برمته.
ومن المهم في البداية أن نحاول معرفة هوية الكاتب، والسمات التي يجب أن يتحلى بها، وهنا وكما هي الحال عندما نحاول تعريف مفهوم الثقافة، فإننا سنجد أنفسنا أمام العديد من التعاريف التي تختلف تبعاً لتباين النظرات الشخصية إلى هذا المفهوم، ليس في وسعنا أن ندرج ضمن عداد الكتاب ورجال الفكر كل من نشر هنا وهناك، أو أنتج صفحات طويلة، أو كتب رفوفاً متراصة من الجمل والمفردات.
أي أن مجرد نشر الكتب أو المقالات، لا يكفي وحده فقط للفوز بلقب كاتب أو رجل فكر. إن المقياس الأكيد والمعيار الحقيقي للحكم على الكاتب أو رجل الفكر هو القدرة على الإبداع والخلق، وعلى الصياغة اللغوية السليمة والمبتكرة، فرجل الفكر الذي يمكن أن يترك بصماته على العصر، هو ذلك الذي يمكن أن يدفع مجتمعه إلى التقدم، ويقدم بدوره على طريق المشاركة في صنع الحضارة العالمية، المتطورة دائماً وأبداً، إنه ذلك الذي يلتزم بالقيم النبيلة والسامية، لا أن يكون أداة للتكسب ونيل المغانم الشخصية.
وننتقل الآن إلى شق آخر متعلق بالمشكلات التي تلجم مساعي رجل الفكر وتسد أمامه منافذ التحليق في آفاق الإبداع الراقي، وهي كثيرة لا تقع تحت حصر، فهناك المشكلات مع الرقابة الإعلامية مثلاً التي لا تسمح بحرية الكلمة أو تسمح فقط بقدر محدود.
وعلينا أن ندرك جيداً أن رجل الفكر لا يستطيع أن يغرد بصوت شجي على أفنان الكتابة الراقية، إلا إذا توافرت له شروط مؤاتية، وسنركز هنا على شرط جوهري فيها، فمهما كثرت متاعب الكاتب، يبقى أهمها ما يتعلق بالحرية.
إنه لا يستطيع العطاء إلا بمقدار ما يعطى، وكلما ازداد كتم الأنفاس وتضييق الخناق عليه، تضاءلت قدرته على العطاء الإبداعي، وإذا ما ظلت الحرية مسقوفة بالخطوط الحمراء والموانع والمحظورات، بقي الإبداع مسقوفاً ومتقوقعاً ضمن شرانق ضيقة، ودوائر مغلقة، ولا يمكن أن يقيض للإنتاج الابتكاري أن ينطلق من عقاله ولا أن ينعتق من إساره، إلا بتوسيع هوامش الحرية. وتحاول بعض الدول أن تلمّع صورتها، وتخلق انطباعاً إيجابياً، عن طريق منح هامش شكلي محدود جداً من الحرية، وفي هذه الحال يستطيع الكاتب الصحفي أن ينقد بعض الممارسات البسيطة التي لا تؤثر إطلاقاً في سمعة الدولة، كأن يعترض مثلاً على وجود حفريات كثيرة في الشوارع، أو على زيادة عارضة في أسعار بعض السلع، أو على صعوبة في أسئلة امتحانات الشهادات، أو على تأخر مواعيد تسليم الغذائيات المدعومة للمواطنين، أو غير ذلك من الظواهر التي يمكن أن تحدث.