لا سلام مع صُناع السلاح

وعد حسون نصر:

 كثيراً ما تطلق المنظمات الحقوقية، وخاصةً التي تُعنى بالإنسان، شعارات السِلم والأمان، وعالم خالٍ من الحروب، وحياة رَغيدة لجيل الغد. وأهم هذه المنظمات التي تعتبر نفسها المسؤولة عن السِلم والأمن الدوليين هي الأمم المتحدة التي تتخذ من الولايات المتحدة الأمريكية مقرّاً لها، في نيويورك التي ينتصب فيها تمثال الحرية، وبلد ويلسون.

لكن للأسف الشديد منذ تأسيس تلك المنظمة حتى اليوم لم نرَ التزاماً منها بوعد، ولم يكتب التاريخ- لتقرأ الأجيال العربية حصراً- أن تلك الدول لم تمرُّ عليها حقبة زمنية دون أن تشنّ حرباً على أيّ من الدول النامية تحديداً، بحجّة تقويم سياسة هذه الدول والوقوف إلى جانب شعوبها بوجه غطرسة حكوماتها.

إن من يمتلك السلاح ويُصنّعه في كل وقت، لا يمكن أن ينشر السلام، ولا أن يرسم مستقبل الأجيال بريشة خضراء، فلا الصاروخ ينشر الورد بدل البارود، ولم نرَ يوماً طائرةً حربيةً حلّقت في سمائنا وهي تعزف ترانيم الحب، وترمي أطفالنا بالورد والسكر والحلوى، فسماؤنا باتت فسحةً لهم ليحجبوا الشمس عنّا، وأرضنا قاعدةً لهم لحرق غلال قمحنا، وحقول حمراء رويت بدمنا ليصبح طعم اللوز طعم الدم، ولون البرتقال أحمر. ولذا، لا يمكن أن يكون صانع السلاح قديساً، لأن اليد التي تعوّدت على البارود لا يمكن أن تمرّ على جبيننا بسلام، هكذا هو حال الدول الرأسمالية صاحبة القوة والنفوذ، صاحبة أسلحة ابتكرتها للتجارة بحياة المقهورين، فمن الطبيعي أن لا تجد لها مكاناً للتصريف وأنسب ساحةً للتجريب والبيع إلاّ بلادنا وما ماثلنا من بلدان، ولا مرمى أفضل للأهداف من أجساد أطفالنا، حيث لا مكان لوعود، ولا أرض لنشر الحب، ولا سماء صافية من عبق دخان البارود مع عظمة السلاح وصوت الرصاص، فمن شقّ البحر وشوّه أجيالاً بقنبلتي الموت في (هيروشيما وناغازاكي ) ومن قتل حضارات بابل وسلب اللقمة من فم أطفال السودان واليمن، وردم النهر العظيم في ليبيا، وجبل الدم بتراب مصر وسيناء، وحجب البحر بخيراته عن أطفال غزة، وهجّر ملايين السوريين ودمّر منازلهم، وحطّم صور الذكريات، لا يمكن أن يصنع الأمن والسلام، بل هو يسعى إلى أن يبقى فتيل الحرب مشتعلاً.

فما عليكم فعله اليوم؟ عليكم أن تُخمدوا شعلة تمثال الحرية فدخانها أعمى عيوننا، وخنق صدورنا، وعليكم أن تصبغوا يدي حاملها بالدم، فلا وعود مرجوّة التحقيق مع صانع الموت، ولا حقائب ملونة على ظهور أطفالنا تحت دويّ انفجار ألغام في دروب العلم، لذا يمكن القول: لم تلتزم الأمم المتحدة بنشر السلام العالمي وإخماد نار الحرب أمام قوة الرأسمالية، فهي وهم مترنحون بصوت البارود راقصين حول نار الحرب وبطونهم مشبعةً بلحم أجسادنا.

العدد 1183 - 23/01/2026