مواثيق ليست لنا

حسين خليفة:

يجري تبادل عبارات شرعة حقوق الإنسان، والمواثيق الدولية، وميثاق الأمم المتحدة، وغيرها كبديهيات غير قابلة للنقاش، كما يجري تكرار معلومات قديمة عن أن أفظع حربين في تاريخ البشرية هما الحربان الكونيتان، الأولى (1914- 1918) والثانية (1939- 1945) وهي الأفظع على الاطلاق، إذ جرى للمرة الأولى استعمال سلاح نووي (القنبلة الهيدروجينية) من قبل القوة الرأسمالية الصاعدة حينذاك الولايات المتحدة الامريكية، ضدّ مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، وهي المرة الأخيرة غالباً لأن أي لجوء للضربة النووية هذه المرة ستكون نتيجته زوال الجنس البشري وتدمير الحياة على كوكب الأرض، بسبب التطور الهائل في الأسلحة النووية وتضاعف قدرتها التدميرية آلاف المرّات عن قنابل هيروشيما وناغازاكي، ولأن الرأسمالية تعي هذا الأمر تماماً لأنها صانعته ومُطوّرته، فقد تعهدت فيما بينها على إنهاء أي احتمال لحدوث نزاع عالمي بين الضواري الكبار ما أمكن، ونقل صراعاتها الى أراضي الآخرين (الحرب السورية نموذجاً).

قتلت القنبلة الأمريكية التي أُلقيت على ناغازاكي وحدها أكثر من 75 ألف شخص 95% منهم من المدنيين، ودمّرت 90% من البنيان فيها، أمّا القنبلة التي ألقاها الأمريكان على هيروشيما في السادس من آب عام 1945 فقد قتلت 140 ألف إنسان ودمّرت 80% من العمران، وكانت الضربة صباحاً حين يتوجّه الناس إلى أعمالهم، وقد جرى محو شبه كامل للمدينة التي كان يقطنها حينذاك ربع مليون إنسان.

تتحمل الرأسمالية وزر أول رصاصة أُطلقت في الحربين، وكذلك وزر الغزوات والحروب القومية والأهلية وحتى حروب التحرير التي تلتها، فهي كتشكيلة اجتماعية اقتصادية هدفها الأول والأخير هو الربح والاستيلاء على ثروات الشعوب الفقيرة (الأطراف) ليبقى المركز الرأسمالي متسيّداً العالم، وهو ما نراه في توحش دول المركز الإمبريالي (أمريكا وأوربا) خارج حدودها، بالتزامن مع إنسانية مثالية واحترام لحقوق الإنسان داخل بلدانها ممّا جعلها أرض الأحلام، وحتى الإمبرياليات الصاعدة تمارس السلوك ذاته، سواء بشكل مباشر عبر الغزو وقهر إرادة الشعوب التوّاقة إلى التّحرر وبناء مستقبلها المستقل، أو عبر دعم الأنظمة الاستبدادية والدكتاتوريات من أمريكا اللاتينية إلى آسيا وإفريقيا.

إن ما قتلته الحروب الأهلية في أوربا نفسها (بعد تفكك دول المنظومة الاشتراكية الآفلة) وفي إفريقيا حيث يلعب السيد الأبيض على وتر الطائفية والعشائرية والعرقية لتسيل دماء ملايين الأفارقة، وتدمّر بلدانهم، في حروب عبثية تُكرّس تقاسم الثروات والنفوذ في القارة الأغنى، وفي أمريكا اللاتينية وآسيا حيث التدخل المباشر ودعم الاحتلال الاسرائيلي وحمايته، ودعم الأنظمة الدكتاتورية والفاشية، وتأجيج الحروب المحلية الإقليمية والأهلية لاستمرار السيطرة وإلغاء أي احتمال لاستقلال بلدانها، إن من قتلتهم تلك الحروب بمجموعها يفوق عدد ضحايا الحربين العالميتين، ويكفي أن نعلم أنه في بلد صغير مثل سورية تجاوز عدد القتلى مليون إنسان إضافة إلى ملايين الجرحى والمفقودين والمشردين خلال سبع سنوات عجاف كان المنتصر فيها الدول التي تتصارع على أرضنا بدمائنا وأموالنا.

من هنا يبدو ميثاق الامم المتحدة الذي أُقِرَّ عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية لتفادي وقوع حروب مماثلة مجرد (اتفاق جنتلمان) لحماية المراكز الامبريالية من احتمالات وقوع حروب قدر الإمكان، مع استمرار الحروب الأفظع لدى دول الأطراف بأنواعها كافة.

إن مقدمة الميثاق التي تحفل بالعبارات الإنسانية والتسامح والعدل والمحبة، والميثاق ذاته، هو كلام جميل، لكنه لم يجد أي تطبيق على أرض الواقع سوى عند الدول التي نظمته واتفقت عليه، أي أنه ميثاق وضع لهم وليس لشعوب الأطراف التي كُتِبَ عليها أن تبقى في مستنقعات الجهل والطائفية والعشائرية والحروب حتى لا تقوم لها قائمة وحتى لا تفكّر بالتحرر من سطوة المراكز الإمبريالية.

والكلام ذاته ينسحب على مواثيق حقوق الإنسان والمرأة والشباب والعمال وغيرها، إنها عوالم جميلة حين نقرؤها ونسبح في فضاءاتها، لكنها كلمات بلا معنى أمام جدران التخلّف والفقر والتعصّب الديني والقومي والطائفي الذي يمدُّ جذوره عميقاً في مجتمعاتنا، ويجد من يغذّيه ويمدّه بعوامل الاستمرار والتجذّر من الدول الرأسمالية، الأمر الذي يجعل أي طرح لمقولات هذه المواثيق أقرب الى مسرح العبث.

husenkhalife@hotmail.com

 

العدد 1194 - 15/04/2026