هل انتصرت أمريكا؟ وهل هُزمت إيران؟

دروس وعبر العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران

(النور):

فتحت الهدنة المؤقتة بين أمريكا وإيران الآفاق لتقدم الحل السياسي على الحسم العسكري، لكنها أيضاً أكدت حزمة من الثوابت السياسية والاقتصادية والأخلاقية والإنسانية.

أمريكا لم تنتصر، فمازال النظام الإيراني قائماً، ومازال يقاوم قوة الحليفين الأكثر فتكاً وعدوانية، والمواطنون في إيران وقفوا دروعاً بشرية لحماية المنشآت الحيوية والمرافق العامة، لا لأنهم مؤيدون لنظام (الملالي) بل دفاعاً عن بلدهم وأرضهم، ورسالة للمعتدي بأن الشعب الإيراني قادر على انتزاع خياراته السياسية والاجتماعية دون تدخل الخارج.

أما في الداخل الأمريكي، فقد أدت هذه القرصنة إلى غضب شعبي عارم تمثل بخروج الملايين إلى الشوارع رافضين (الملك) وتفرّده ونزعته العدوانية، كما أدت إلى بلبلة داخل صفوف الجمهوريين ذاتهم، وإلى استقالات وتنحيات لعديد الجنرالات والمسؤولين، وإلى تصدع حلف (الناتو) الذي تقوده أمريكا لفرض هيمنتها على أوربا والعالم، لذلك يعتقد الكثيرون أن أمريكا لم تخسر الحرب وفقاً للمعايير العسكرية، لكن ترامب كان الخاسر الأكبر وفقاً للمعايير السياسية والأخلاقية والإنسانية، وأن أي حديث عن الأمن والسلام العالميين على الكوكب سيكون بمثابة (نكتة) إذا ما نطق به ترامب لاحقاً، تماماً كحديثه عن الديمقراطية ومصلحة أمريكا بعد أن تفرد بقرار الحرب دعماً لشريكه الصهيوني، فخسر التأييد في الداخل وفقد أوربا الرافضة للحرب.

وإيران لم تنتصر أيضاً، فالخسائر البشرية والمادية، وخسارة المنشآت والقواعد والمصانع والبنية التحتية، ستشكل عائقاً أمام تطور إيران الاقتصادي والدفاعي اللاحق، لكنها قدمت للعالم نموذجاً في المقاومة بعد أن رفضت المعارضة السياسية للنظام العدوان الأمريكي، ودافعت عن بلادها وخياراتها السياسية المستقلة.

الكيان الصهيوني لم ينتصر، فإيران التي يعدها العائق أمام طموحاته التوسعية في المنطقة، مازالت قادرة على إيصال صواريخها إلى جميع مدن الكيان ومنشآته الحيوية، إضافة إلى الخسائر البشرية التي عادة ما يتكتم عليها، وتدمير العديد من المنشآت والقواعد، والأضرار التي لحقت بموقع مفاعل ديمونة، إضافة إلى التوترات السياسية الداخلية، وارتفاع نسبة الهجرة من الكيان، بعد فشل نتنياهو في توفير الأمن والاستقرار.

الخاسر الوحيد من القرصنة الأمريكية – الصهيونية كان الأمن والسلام العالميين، اللذين وضعا على حافة الهاوية، وباتت البشرية على مرمى اللهيب الكوني الذي سيأكل الأخضر واليابس.

لقد أكد العدوان على إيران حزمة من الدروس والعبر التي اختبرتها شعوب العالم وجميع قوى السلم والحرية والعدل في العالم في سياق دفاعها عن السلم العالمي:

1- مصير البشرية والسلم العالمي يجب ألا يبقى رهناً لإرادة مهووسي القوة والهيمنة وصناع السلاح وحفنة من أصحاب المصارف الكبرى وسماسرة الأسواق المالية في أمريكا والغرب، ولا رهناً لنزعات من يضعونه في البيت الأبيض.

2- أن القوة الغاشمة ربما تنتصر في موقعة عسكرية، لكنها لا تستطيع فرض إرادتها على الشعوب، الطامحة إلى الأمن والعدالة والخيارات الوطنية المستقلة.

3- أن الاستقواء بالخارج للدفاع عن السيادة الوطنية لن يؤدي أبداً إلى السيادة، بل إلى الارتهان للخارج، وأن الضامن الوحيد للسيادة الوطنية هو وحدة أطياف الداخل السياسية والاجتماعية والإثنية عبر حوارها وتوافقها على مواجهة الأعداء، والحفاظ على سيادة الوطن.

4- أن تلبية مطالب الشعوب بالديمقراطية والسلم الأهلي والحرية والعدالة يلجم تدخل الخارج دفاعاً عن هذا.. وذلك، مستخدماً الشعارات المعهودة (حقوق الإنسان.. الأمن).

5- أن التدخل غير المبرر في الدول الأخرى مهما اكتسى عباءات دينية وطائفية وأخلاقية وإنسانية، يعد سبباً رئيسياً للنزاعات الإقليمية والدولية.

6- أن الصهيونية ممثلة بالكيان الإسرائيلي لن تتوقف عن السعي لإنشاء دولتها الكبرى، وأن الشعوب العربية لن تتوقف عن مواجهة الخطر الصهيوني، ومساندة الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير، وإنشاء دولته الوطنية على الأرض الفلسطينية.

العدوان على إيران لم ينته، والهدنة لا تعني إلا تفاؤلاً باللجوء إلى الحلول السياسية، وشعوب المنطقة وجميع قوى السلام والحرية والعدل في العالم، مدعوة إلى مواجهة أي عدوان جديد، والضغط من أجل سلام واستقرار دائمين.

العدد 1194 - 15/04/2026