لا نريد دقيقة صمت!
غزل حسين المصطفى:
(سقطت تُفاحة واحدة فأدرك العالم قانون الجاذبية، سقطت ملايين الجثث ولم يدرك العالم معنى الإنسانية)
وقفتُ عندَ هذه المقولة فعصفَت بذاكرتي مشاهدُ قديمةٌ جداً لطفلةٍ مازالت في عامها التاسع تجلس أمامَ شاشة التلفاز، تُطالعُ الأخبار علّها ترى صدى الحرب في المواقف العربية والدولية. هزّتها صورة طفلةٌ تبكي، وعاد مشهد محمد الدرة ينفثَ في صدرها النار.
انتفضت معلنَةً تخلّيها عن أجنحةِ الطفولة، ورغبتها بمقلاعٍ وحجر تسترد بهما حقوقاً مسلوبة، فقد وجدت في عزيمتها القدرة على ذلك حتّى وإن لم تستطع، فشرفُ المحاولة والتماهي مع الواقع دون غضّ الطرف كان كافياً ربما.
إنها أنا قبل أن تُكبح أحلامي الطفولية بقوتي الخارقة التي أستمِدها من الحب والشغف وإيماني بتلك القضية. حينئذٍ قِيل لي هناك أشخاص وكيانات دولية معنية بهذه الشؤون، معنية بالقضية، تخرج بحلول وتُغيّر وجه الواقع.
ومنذ ذلك الحين، وحتى الآن مازلت أسمع بهم ولم يصل إلى سمعي صوتهم، لم ألمس في واقعي وجودهم، كلُّ ما كنت أعيه هو تذمّرهم من قضية ما، إحساسهم بالتعاطف، دقائق من الصمت يقفون فيها ولا أدري مدى صدق هذه الدقيقة!
غالبا ما يُشير حدسي إلى أنهم يفكرون بوجبتهم المسائية، وبأي مطعم ستكون، أو ربما مع من لا يعنيهم من قدسية المبدأ شيء!
المشاعر والتعاطف لا تحتاج إلى دقيقة صمت، فهم في حالة صمت دائم.. نحن بحاجة إلى قرار يُفجّر أجواء الموت فيهم.
خطابات رنّانة ومشاعر جيّاشة ومواثيق دولية تقشعر لوقعها الأبدان، لكن، توقفوا لحظة هنا
كأننا نصف المشاعر فقط ؟! كأننا نَصِفُ الكلام والجمل ونُبهرجها! كأننا نكذب على أنفسنا!
في مسلسلٍ كرتونيّ مرّ بطفولتي، كان طفل صغير يُنظّفُ المداخن، قطع عهداً لصديقه وجابه الموت ليُنفّذَ هذا العهد ولا يخذله. كان مشرداً ما بيده حيلة، والمرض ينهش جسده بالخفاء، لكنه وفيّ.
منذ زمن وحتى اليوم نختار المكان الأفخم، الإنارة الأجمل، وطاولة من أجود الأخشاب، نَصُفُّ الكراسي، نستدعي المعنيين، نعرض القضية، نبكي أطلالها، وعلى سفرة ملاعقها من ذهب ربما نقطع عهداً لنحمي شعباً ما من أزمة جوع وكوارث حرب!!
ممّا سبق، لا داعي حتى أعيد الكلام بصيغة مباشرة حول الحالة التي نعيشها مع الهياكل المجتمعية والتنظيمات المحلية والدولية على اختلاف مهامها وتبعياتها، لاسيما هيئة الأمم المتحدة التي تحمل على عاتقها قضية السلم والأمن الدوليين، فالموضوع ذاته والمعاناة تتكرر!!
إلى متى سنبقى ننتقد، نطالب، ندور في الدوائر ذاتها دون تغيير، دون تحوّل إلى الواقع المعيش؟! لاسيما أن الأوضاع تزداد سوءاً إذا لم تكن بشكل ظاهر فتحت الطاولات خلايا نَحْل من مصالح تسعى!؟