غالبية السوريين خارج مظلّة الأمن الغذائي والصحي

إيمان أحمد ونوس:

منذ اندلاع الحرب السورية العبثية حتى هذه اللحظة، لم ترتقِ الحكومات المتعاقبة إلى مطالب واحتياجات السوريين الذين باتوا اليوم أكثر من أي وقت مضى بأمسّ الحاجة إلى رغيف خبز يحفظ لهم ما تبقى من كرامتهم التي أهدرتها حكومات تجاهلت وما زالت تتجاهل واقعهم المأساوي المحتاج في كل لحظة إلى قلب حار وعقل بارد ويد نظيفة وحنون تمتد إليهم، لتكون عوناً وسنداً لهم في أفظع محنة عاشها إنسان.

ومع انحسار لهيب الحرب وسقوط النظام البائد، استبشر الناس خيراً وانتعش تفاؤلهم بالغد الأجمل، إلّا أن الوضع المعيشي المأساوي للناس ما زال في هبوط وتدنٍ مستمر، رغم إعلان الحكومة المؤقتة عن وعود متنوعة جعلت المواطن يتنفس الصعداء ويشعر بأنه سيحصل على بعضٍ من حقوقه، سواء بزيادة الرواتب وتأمين فرص عمل، أو بتقديم الخدمات الأساسية (ماء، كهرباء، وقود، غذاء ودواء وما إلى ذلك). وها قد مرّ عام وبضعة أشهر على تولي الحكومة الانتقالية السلطة إلاّ أن شيئاً من تلك الوعود لم يتحقق ولو بالحدود الدنيا، ما عدا زيادة جزئية للرواتب اغتالها التضخم والغلاء والفساد المستشري في كل مفاصل الحياة والدولة معاً، فبات علنياً رافع الرأس غير هيّاب من حساب أو عقاب، حتى باتت الاحتياجات الأساسية حلماً صعب المنال في ظل التلاعب بقوت الناس.  فالأجور لم تعد تكفي لأيام قليلة من الأسبوع، ولم تعد تؤمّن ما تحتاجه الأسرة من غذاء يقي أفرادها الجوع والمرض، فضلاً عن فواتير الكهرباء والاتصالات التي قصمت الظهور وجعلت الرجال يبكون أمام كوات الكهرباء أو في الأسواق لأنهم لا يستطيعون تأمين كلفة هذه الاحتياجات.

رغم أننا لا نملك إحصائيات دقيقة بسبب غياب مراكز الرصد والإحصاء، وكذلك انعدام الشفافية والمصداقية من قبل الحكومة المؤقتة، لكن التقارير الدولية تشير إلى أن أكثر من 12.9 مليون شخص في سورية يعانون من انعدام الأمن الغذائي، ويواجه أكثر السكان صعوبة في الوصول إلى مياه نظيفة، وتُسلّط هذه المؤشرات الضوء على الحاجة الملحة إلى نظام صحي فعّال في وقت تواجه فيه المرافق الصحية تحديات متفاقمة!

لا شكّ في أن هذا الواقع المأساوي سيدفع بغالبية السوريين للخروج من مظلة الأمن الغذائي الحاد الذي يسبق الوصول إلى مجاعة تُهدّد أمن الدولة والمجتمع معاً، وهذا ما نلاحظه اليوم من خلال ارتفاع نسب جرائم القتل والسرقة والخطف بداعي الفدية، وكذلك ارتفاع نسب التشرد والتسول والدعارة وعمالة الأطفال، ما يؤدي إلى تسرب أعداد كبيرة من مدارسهم، لترتفع بذلك نسبة الأمية التي تُهدّد الأجيال القادمة. أيضاً لا يفوتنا ارتفاع نسب الوفيات بين الكبار والأطفال بسبب سوء التغذية وانعدام العلاج المطلوب والمفروض على المشافي العامة، التي خرجت هي الأخرى عن دورها المنوط بها من تقديم العلاج المجاني بالكامل واقتصرت على الاستضافة لا أكثر، ما يضع المواطن أمام أزمة جديدة يقف عاجزاً فيها عن تأمين احتياجاته من الأدوية وباقي المتطلبات الشعاعية وغيرها مثلاً وقد باتت تكاليفها تفوق كل قدرة لدى هذا المواطن المأزوم أساساً، ولنا في التقارير الإخبارية والإعلامية خير مثال عن مشاهد مؤلمة أمام المشافي العامة بما فيها مشفى الأطفال الذي كان قبلة السوريين من كل المحافظات وبات اليوم بمثابة بؤرة تُهدد حياة مئات الأطفال الذين يفترش ذووهم الأرصفة والطرقات بعد أن يستدينوا الملايين إن تمكنوا إنقاذاً لحياة أطفالهم، وبالتأكيد غالبيتهم لا يتمكنون من هذا كما شاهدنا وسمعنا. كذلك دارت أحاديث وتداول البعض أخباراً عن مشفى القلب الجامعي بدمشق وبعد أن مُنح استثماره لتركيا قد استغنى عن الأطباء المقيمين فيه، وهذه سابقة خطيرة في مشفى جامعي مفروض بالمقبلين على حيازة شهادات الدراسات العليا في هذا الاختصاص الإقامة فيه، مما يُفقد البلد اختصاصيين مجازين في هذا المجال. أما في المشفى، فالعدد الباقي من الاختصاصيين لم يعد قادراً على تلبية الحاجة المتزايدة في ظل إعلان المشفى عن إجراء عمليات مجانية من قبل الجانب التركي في غرفتي عمليات بعد إغلاق أربع غرف عمليات بلا مبررات مقنعة لكل ما يجري في هذا المشفى.

وعليه فإن الأمن الصحي في سورية يواجه تحديات هيكلية كارثية، إضافة إلى عدم تساوي الوصول إلى الخدمات الصحية مما يخلق فجوات خطيرة في الأمن الصحي الذي هو عبارة عن إطار عمل لقضايا الصحة العامة يشمل حماية السكان المحليين من التهديدات الصحية الخارجية.

إن تردي الوضع المعاشي والصحي بهذا الشكل السافر والحاد بالتأكيد سيؤدي لخروج آلاف السوريين من مظلة الأمن الغذائي والصحي المعترف بهما عالمياً. وتظهر التقديرات لعام 2026 بأن 80% من الأسر غير قادرة على تلبية احتياجاتها الغذائية بشكل مستمر، ويقدر عدد من يحتاجون إلى مساعدة صحية عاجلة بنحو 15.8 مليون شخص في ظل التعطّل الكبير في عمل المرافق الطبية، كما أن 416 ألف طفل سوري معرضون لخطر سوء التغذية الحاد!؟

فإلى متى ستبقى هذه الحكومة تسعى جاهدة لإذلال السوريين؟ وإلى متى ستبقى خارج السياق الزمني والموضوعي لما يكابده أولئك القابضون على الجمر كي يظلوا على قيد حياة، لتبقى سورية حرة قوية بهم تمنحهم كرامة افتقدوها منذ عقود؟!!

العدد 1191 - 18/03/2026