نظرة فاحصة إلى إعلامنا الخاص… ما له وما عليه
سليمان أمين:
بوجود وسائل إعلام خاصة متنوعة لدينا، يحق لنا أن نسأل بعد سنوات من الألم: هل هناك تقاسم ناجع للإعلام داخل الدولة السورية يمكنه أن يتيح فرص الوصول إلى خدمات أساسية يتطلّبها المجتمع السوري، تُبنى على التثقيف والمعرفة والشفافية ومكافحة الفساد وإحقاق الحق وإنصاف المظلومين من أبناء هذا الوطن؟
مع الأسف تبقى خطوات الأعوام السابقة التي أتاحت ظهور تلك الوسائل الإعلامية المتنوعة قاصرة نوعاً ما وغير قادرة جزئياً على خلق صحافة محلية مستقلة تمارس وظائفها بمسؤولية، ولاسيما في مواضيع نشر القيم الحضارية وتوثيقها، وقضايا الإصلاح والتغيير المؤسساتي، ومسائل الشفافية في الواقع الإداري والقانوني، وصون التربية والتعليم، والإعلام الصحي والأثري والسياحي والسياسي.
سلبيات
إعلامنا بصراحة هو إعلام يعتمد على الولاء المطلق للخطوط الحمراء الكثيرة فيه، ويعتبر أي تجاوز لأي من هذه الخطوط الحمراء من المحرمات… ويكمن العطل الرئيسي في إعلامنا المحلي هو أن قرارات فردية قد تنهي وجوده أو تعطّل على الأقل المبادئ التي تأسس بموجبها، تلك المبادئ التي قد يعتبرها بعض المتنفذين تجاوزاً للخطوط الحمراء المذكورة، ذلك أن السلطات التنفيذية ومؤسساتها هي من يمتلك المعلومات الهامة… وحتى لو أعطت قوانين المطبوعات الإعلاميين حق الوصول إلى مصادر المعلومات وتسهيلات الحصول عليها، فإن تلك العملية ما زالت مبتدئة ومحاطة بالمخاوف رغم أنها تفيد المصلحة العامة، مما جعل أغلب الصحافيين المتعاملين مع وسائل الإعلام المحلية يمارسون نوعاً من الرقابة الذاتية القاسية على أنفسهم، ولتلك الممارسة نتائجها السلبية على الأداء الإعلامي ودور المعلومة الصحافية في إيجاد الحلول لقضايا الشأن العام. وكما نعلم يشكّل العاملون في الإعلام الحكومي النسبة العظمى من العاملين في الإعلام الخاص، مما يعكس المشكلة الجوهرية نفسها التي تظهر في الإعلام الحكومي، وهي تكرار وتكرير نوعية المواضيع ووزنها وطريقة طرحها وعلاجها وأسلوب الكتابة ونمطيتها، ويضاف إلى ذلك عدم التفرُّد وضعف الاستقلالية… وبالتالي فإن جلّ الوسائل الإعلامية الخاصة لا يهتم كثيراً بوجود كوادر مدرّبين لديه ومؤطّرين علمياً وثقافياً، بل يلتفت أغلبها إلى الناحية التجارية رغم ضعف السوق الإعلانية، وكل ذلك أي الإبقاء على الإعلام الخاص مرآة للإعلام الحكومي هو لتجنُّب قرارات محتملة بحجب الخدمات وحجب المواقع وقطع التمويل، بل وحظر نشر مواد معينة أحياناً، ناجم عن عدم رغبة البعض في وصول الإعلام الخاص إلى محتوى غير مرغوب حسب رأيه ونشره للعموم. وهذا يسيء إلى إعلامنا أكثر مما قد يعتبره الرقيب الإعلامي مسيئاً لدى نشره، فرغبة القارئ في معرفة المنقّح والمزيد والصحيح والفريد من الأخبار، لا تكلّفه أكثر من اللجوء السريع والمتاح إلى وسائل أخرى للاطلاع على ما حَـجَـبَـهُ إعلامنا أو حظره. وما نتحدث عنه هو الكارثة الإعلامية بعينها إذا صح التعبير، لأن المواطن الخاضع لهذا الإعلام سيفقد ثقته به، كما سيفقد الإعلام مصداقيته لدى هذا المواطن، وهنا يكثر التأويل والتهويل ثم التعويل على إعلام آخر نظراً لأن إعلامنا بإخفاقه المذكور يكون قد حقق مقولة (آخر من يَعْلَم ويُعْلِم…). ويتحوّل بعض الوسائل الإعلامية الجريئة في بعض الأحيان إلى حلبة صراع بين متنفذين في سلطة تنفيذية ما وصحافيين جريئين. وحين تكون المسيرة القضائية بطيئة في الحسم، فإن الصحافي الجريء قد يدفع الثمن.
كما أن رغبة بعض المسؤولين الحكوميين في أن يكون الإعلام الخاص مرآة للإعلام الرسمي، لا تتناسب مع مبادرات دعم الإعلام الخاص أو توفير مكانة له ليكون شريكاً أو مسهماً في قرارات صائبة في الشأن العام. ومن سلبيات واقع إعلامنا الخاص أن بعض هذا الإعلام لا يبحث عن المعلومة الجديدة أياً كان نوعها، بل يعتمد على سبر معلومات بقية المواقع وإجراء عملية تقاطع لأضوائها الخضراء لاعتمادها كمعلومة صحافية… ومن هنا تظهر عمليات (القص واللصق) وتكرار المعلومات وتكريرها في أفضل الأحوال، ثم نفور القرّاء، ويضاف إلى ذلك أن بعض الصحافيين المبتدئين يلجأ إلى الكتابة والنشر في الوسائل الخاصة دون أجور لدعم سيرته الشخصية، وهذه العملية ينجم عنها هبوط في مستوى المعلومات والنشر.
إيجابيات
ينفرد بعض وسائل إعلامنا الخاص في قدرته على التميُّز في شتى مجالات العمل الإعلامي، من حيث جودة المعلومات وجدتّها ودقّتها، مما يؤدي إلى أن كثيراً من القرّاء باتوا يلجؤون إلى الصحافة الخاصة ليأخذوا حقهم من الخبر الجريء والمعلومة المجدية التي توثق الحقيقة وتحميها، وذلك في حال نزاهة وسيلة الإعلام الخاص وجدّيتها.
كما يهتم بعض وسائل الإعلام الخاص ويجب أن يهتم دائماً بنشر البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية الموثّقة وذات الدقّة في المحتوى والجدّة في الطرح والربط المحكم مع الواقع المعيش على مختلف الأصعدة، بما يعد مساحة معرفية هامة للقرّاء والمهتمين، وخطوة ناجحة نحو التوثيق تجد أصداءها الإيجابية لدى خوض القرّاء غمار البحث عن المعلومات في شبكة الإنترنيت، كما أن أسلوب عمل بعض وسائل الإعلام الخاص يتميز بالسرعة في الحصول على المعلومة وتحليلها وشرحها وتعميمها على القرّاء، إذ يتفوّق إعلاميو القطاع الخاص بقدراتهم الإعلامية على بعض المسؤولين في الإعلام الرسمي، مما يعطي تلك الوسائل الخاصة صفة المرجعية وينبّه إلى أهمية وجود الإعلام الرديف للإعلام الرسمي.
وأخيراً فإن لبعض وسائل إعلامنا الخاص دوراً هاماً جداً في حسم قضايا إشكالية ذات طابع وطني يتجنّب الإعلام الرسمي الخوض فيها نتيجة لحساسيات قائمة لا حل لها.
ختاماً
إن ازدهار الإعلام الخاص في سورية ونموّه مرهونٌ بدعمه على قدر المساواة مع الإعلام الحكومي، وإعطائه المزيد من الحرية والإمكانية، ذلك أنه أثبت فاعليته وتفوّقه في الكثير من الأحيان. أما إذا عانى من الضغوط الرسمية فإن عدد روّاده وقُرّائه وجمهوره سيتراجع وسيبحثون عن مواقع أخرى، كما سيتيح ذلك الطريق إلى سيطرة وسائل إعلام تُدار من خارج البلاد… ولا بد من تشجيع المختصين على اختلاف تخصصاتهم على النشر في وسائل الإعلام الخاصة المتاحة بمساحاتها أكثر من المساحات الرسمية التي تتحكّم بها الأهواء الشخصية ويقيّدها الروتين الإداري، كما لا بد من تدريب العاملين في وسائل الإعلام الخاصة على (المصطلحات) في المجالات التي يختارون العمل بها، سواء كانت ثقافية أو سياسية أو تاريخية أو اقتصادية.