عائد إلى بيتي…

ولاء العنيد:

يوم أسود ذاك الذي خرجنا به من منزلنا، حملنا الخوف على الهرب بسرعة تاركين خلفنا حصيلة تعب سني العمر، وأحلاماً دأبنا على تحقيقها…كان همّنا الأول الخروج أحياء إلى المناطق الآمنة. لم يخطر ببالنا أننا سنمكث سنوات بعيدين عن بيتنا الصغير الدافئ. لقد ظننا كالآلاف غيرنا أنا ستكون عدة أيام قليلة ونعود إلى حياتنا الطبيعية، ولكن لم يبقَ شيء طبيعي بل عشنا بظروف غير طبيعية، تحطمت أمالنا مع تحطم جدران منزلنا، وتكسرت أحلامنا مع تكسر زجاج دارنا، وسحقت أرواحنا عندما سحقت ذكرياتنا تحت ركام الدمار.

واليوم، بعد سني البعد القاسية، لاح أمل العودة في أفق يكنس غبار السواد من أيامنا ويلون المستقبل القريب بألوان الحياة التي اشتقنا إليها.

 

شوارع ميتة عادت لتنبض بالحياة

صور الدمار التي ملأت الشاشات توحي للناس بأن العودة إلى حاراتهم ستمر بخطوات كثيرة وصعبة، فآثار الدمار المنتشرة في الشوارع يجب أن تُنقل، وخطوط الكهرباء المقطوعة أن تمدّ، والمياه أن توصل، والبنية التحتية أن ترمم ،كلها أمور تجعل من العودة أمراً صعباً إن لم تتنسف مقوماتها… ومع ذلك تخطى الناس هذه الصعاب وزحفوا عائدين رغم حطام العوائق عائدين إلى منازلهم ومحالهم، عادوا وبدؤوا ينثرون ألوان الحياة في تلك المناطق، فمنهم من شرع بترميم منزله، ومنهم من اكتفى بترميم ما بقي من منزله الذي اقتصر على غرفة أو اثنتين في أفضل الأحوال، ولكن هذا الدمار لم يمنعه من فرض جمال حضوره على المكان، وتركزت مظاهر الحياة هذه على الشوارع الرئيسية في المناطق المحررة، فنجد كل ما نريد فيه من بائع الخضار الذي أزاح أنقاض محله وأصر على الصمود هناك رغم الصعوبات المحيطة، واستطاع بالتعاون من جيرانه أن يحيوا المكان ويتساعدوا في ترميم محل ذاك ومنزل هذا، ليعود الشارع الرئيسي كما كان، فبجانب بائع الخضار فتح الخباز والنجار واللحام والحداد كل ما قد يحتاجه المرء أصبح متاحاً وموجوداً، الببيئة باتت مهيأة أكثر للعودة، لا ينغض عليها سوى فقدان الكهرباء في الشوارع الفرعية، فقد اقتصر وصول خطوط الكهرباء على المناطق الرئيسية فقط، ولكن لماذا؟

 

تباطؤ متعمد أم ماذا؟

لاريب أن مسؤولية إزالة الركام وتمديد خطوط الكهرباء والماء وإصلاح البنى التحتية تقع على عاتق الحكومة، وإن تعدد المناطق يجعل من عملية الترميم والإصلاح مهمة صعبه تحتاج إلى أيدٍ عاملة كبيرة وفرق عمل متعددة الاختصاصات، لكن من المهم جداً أن تقوم الجهات المعنية في الحكومة بتسريع عملية التأهيل، فالناس يتشوقون للعودة إلى مناطقهم، ولا يكفيهم أن تقتصر عملية التأهيل على الشارع الرئيسي، بل هم بأشد الحاجة إلى أن يعودوا إلى منازلهم بعد أن أرهقهم إيجار المساكن التي يقطنون بها، وأتعبهم العيش مع أكثر من أسرة في البيت نفسه، لهذا يجب أن تتخذ الحكومة والوزارات المعنية بإعادة تأهيل المناطق المدمرة خطوات سريعة بزيادة أعداد العاملين في تلك المناطق بما يلبي طلبات المواطنين، بحيث تشمل الإصلاحات الشوارع الفرعية والمناطق المحيطة لتغطي كل أجزاء المنطقة، بأسرع وقت، لتكون بهذا أمّنت، بالسرعة المطلوبة، أبرز احتياجات الناس للعودة والعيش في بيوتهم وحاراتهم.

 

حركة تنعش الاقتصاد

إن سعي الناس للعودة إلى منازلهم يترتب عليه عدة إجراءات ستنعكس ايجاباً على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، إذ ستبدأ حركة البيع والشراء مما سينشط الأسواق المتعلقة بأمور البناء والاكساء، ويوظف أيدي عاملة كانت عاطلة عن العمل لسنوات طوال، وهذا سيكون عاملاً من عوامل ضخ كتل نقدية في الأسواق تكون محركاً لعجلة الاقتصاد، مما سيؤثر بشكل جيد على الحياة المعيشية للمواطنين، وعلى وجه التحديد الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل التي أنفقت مدخراتها وخسرت أملاكها. واليوم لن تعود فقط إلى المناطق التي هجرت منها، بل ستعود كذلك إلى هم التوفير من جديد لتعوض ما خسرت من بيوت ومتاع، وريثما نصل إلى مشارف حقبة جديدة تنهي سنوات التعب والعذاب التي مر بها السوريون، على المواطن السوري أن يصبر على قلة حيلته وموارده.

العدد 1188 - 25/02/2026