حديث مؤلم
مضى زمن على تلك الحرب وعلى الأيام القاسية التي عاشها أبناء الجولان وفلسطين معاً، كانت المخيمات ومراكز الإيواء والمدارس هي المكان الوحيد لكي يبدأ كل منهم شق طريق حياته من جديد، ويستمر حلمه بالعودة وإعادة الأراضي والقرى المغتصبة، بعد أن قامت قوات الاحتلال بتغيير المعالم الجغرافية وتدمير القرى والمزارع في الجولان، وإقامة المستوطنات في فلسطين، وتحويل كثير من المناطق إلى مواقع عسكرية.. بدأ الجميع الحياة من تحت الصفر، بالعمل بجد وجهد لشراء بيت صغير أو أرض يبني عليها بيتاً تسكن فيه عائلة أو أكثر، حتى استطاع كثيرون إنجاز هذا الشيء، سقف صغير يستر عورة كلماتهم ببناء حجر فوق حجر لأعوام طويلة من تعب أيديهم وعرق جباههم، لم يجد اللاجئ والنازح أي فارق بينهما، فكلاهما يتقلبان على جمر واحد وأمل واحد.
نهاية قاسية
لم تعد النكسة، ولكن عادت الحرب داخل البلاد، وخرج الكثيرون من مخيمات اللاجئين والنازحين ممن لا يتوجب عليهم الخروج، فالجرح مازال مؤلماً و لم يلتحم، فأراد قليل منهم البقاء، لأنهم لا يريدون إعادة الزمن إلى الخلف وتكرير المآسي التي مضت عليها عقود، فمن الصعب أن يسمع أحد ممن مازال في بيته كلمة نازح ويعيد، أو لاجئ ويعيد.
حديث مؤلم
في أحد أيام الطفولة عندما خبأت عصبة جدتي، اقترب جدي غاضباً وهو يرتدي عباءته الفضفاضة قائلاً: من لا يعترف بأصله ليس لديه أصل! ياجدي هؤلاء النساء لقد تحملن من العمر ما لم يَرَ ويسمع به أحد، جميعهم كان لديهم عز وجاه، مال وأراضي كبيرة، أصحابها لا يعرفون كم تبلغ مساحتها، أطلق الأنة الضعيفة وأردف: لو تعلم من هم هؤلاء العجائز يا جدي ومن نحن.. كل منهن كانت تسير قرب بئر المياه مزهوة بنفسها، تضع عصبة فوق شعرها وتتلألأ الليرات الذهبية فوق جبينها.. لم يكونوا إلا أبناء عز، لم تعرف القرى فقيراً، فكل غني يعطي الفقير أرضاً صغيرة يأكل منها ويعيش من خيراتها.. كان الوفاء عنواناً لنا والمحبة غريزة في قلوبنا، لقد حمدت الله أنني وجدت عملاً بعد تلك الحرب، واستطعت أن أبني بيتاً ليجتمع به الجميع، ولكي أنُسي الجميع أي عز كنا نتنعم به أنا وجدتك التي خبأت عصبتها لكي لا ترتديها، فربما لا تعلم بأنها ترتدي عصبتها وعباءتها السوداء، حزناً على تلك الحياة وعلى تلك البلاد.
بداية جارحة
الذي خرج من فلسطين والجولان كان يعلم جيداً أنه سيبدأ حياته من البداية، وكثير من الذين أعادوا الخروج من مخيمات اللاجئين والنازحين داخل البلاد، يعلم أنه سيبدأ من الصفر أو مايعادل ذلك، إن حافظ المنزل على وقوفه صامداً، و إن لم يسرق أو يحرق أثاث منزله.. ولكن رغم كل هذا الألم والمعاناة التي عاشها في الماضي ويعيشها في هذا الوقت، إلا أنهم مازالوا ينتظرون العودة إلى بيوتهم وعودتهم إلى وطنهم وقراهم، فلا شيء يعوضهم عن ذلك الكرم والوقار والمحبة سوى أرض ووطن.