ما مصير الأطفال مجهولي النسب في النزاعات والحروب؟!
مما لا شكّ فيه أن النساء والأطفال هم الشرائح الأكثر تأثراً وتضرراً أثناء النزاعات والحروب، التي ما حملت عبر التاريخ حتى يومنا هذا لتلك الشرائح المستضعفة، سوى الألم والموت والخطف والسبي والاغتصاب. والمرأة السورية نالت النصيب الوافر من كل هذه الآلام والممارسات الفظيعة، ولعلّ أشدّها إيلاماً على المدى البعيد والقريب هو الاغتصاب الذي طال العديد من النساء والفتيات السوريات سواء داخل البلاد أم خارجها في مخيمات النزوح، بما يحمله لاحقاً من ويلات قد تكون سبباً في قتل الضحية أو إجهاض حملها إن كان هناك حمل اتقاءً للعار.
ورغم أن الأمم المتحدة قد أقرت بتاريخ 15/3/2013 إعلاناً دولياً يدعو إلى إنهاء العنف ضد النساء وحمايتهن من التحرش الجنسي والاغتصاب، إضافة إلى إصدارها التوصية رقم 30 المنبثقة عن الوضع العام السائد في بعض الدول العربية التي تشهد نزاعات وحروبً، والتي تبنتها هيئة حقوق المرأة في الأمم المتحدة بتاريخ 23/10/2013 بتقديمها توجيهاً رسمياً إلى الدول التي صادقت على اتفاقية حقوق المرأة بشأن التدابير التي يجب اتخاذها لضمان حماية حقوق المرأة قبل وأثناء النزاع وبعده. تنص هذه التوصية على التزام الدول الأطراف أيضاً بممارسة العناية الواجبة لضمان مساءلة الجهات الفاعلة من غير الدول، مثل الجماعات المسلحة والشركات الأمنية الخاصة، حول الجرائم ضد المرأة، فالعلاقة قوية بين زيادة معدل العنف القائم على نوع الجنس واندلاع الصراعات، وهذا ما تعرّضت وتتعرض له النساء يومياً في تلك المناطق، من اختطاف وقتل واغتصاب، أدى ويؤدي في كثير من الأحيان إلى حدوث الحمل الذي يشكّل للمرأة لاسيما الفتاة وذويها مشكلة اجتماعية كبيرة تقود للقتل اتقاءً للعار، وهذا ما يدفع بالكثير من الفتيات للهرب مع مواجهة استمرار الحمل وإنجاب طفل مجهول النسب، نتيجة الجهل والخوف وعدم وجود قوانين وحماية خاصة وخدمات تُقدّم لمثل تلك الحالات، أشار إليها إعلان 15/3/2013 حين أكد ضرورة حصول النساء اللواتي يتعرضن للاغتصاب لخدمات الرعاية الصحية مثل العمليات الطارئة لمنع الحمل والإجهاض الآمن. هنا تكون تلك الفتاة ووليدها أمام مصير مجهول ومحفوف بالمخاطر المتفاقمة في دول لا تعترف قوانينها وتشريعاتها بتلك الحالات أو بالأبناء المولودين وضرورة حصولهم على نسب في السجلات الرسمية، وهناك حالات كثيرة موجودة في بعض المدن السورية لم تتمكّن فيها الفتاة/ الأم من تسجيل وليدها رسمياً إلاّ إذا أعطي- نسباً افتراضياً- يضعه مستقبلاً أمام نبذ اجتماعي يحوّل حياته إلى مأساة متعددة الاتجاهات والمسارب.
ونتساءل: لماذا لا يتم منح هذا المولود نسب والدته حتى تتجنّب ومولودها مستقبلاً العار والنبذ الاجتماعي على اعتبار أنه ليس لقيطاً؟ لماذا لا يُمنح هذا المولود نسباً وهمياً بدل تسجيله بنسب افتراضي؟ لماذا الإصرار على هذا الافتراضي الذي لا يأخذ بالحسبان ما سيجرّه على هذا الطفل حالياً والشاب لاحقاً مشاكل لا حصر لها، إضافة إلى الرفض الاجتماعي بحكم الشكّ في نسبه..؟ أليس من الممكن أن تزداد حالات الأطفال اللقطاء بسبب هذا التعنّت الرسمي في التعامل مع مثل تلك الحالات التي تكون فيها الأم موجودة ومعروفة..؟ وأعتقد أن نسبة الأطفال اللقطاء قد ارتفعت في ظروفنا الراهنة إلى حدٍّ ما وقد يكون هذا التعامل المتشدد سبباً رئيسياً لها.
صحيح أن اتفاقية حقوق الطفل أو الإعلان الدولي لحقوق الطفل لم يتطرقا إلى حالة الأطفال مجهولي النسب مثلما تطرقا إلى موضوع الجنسية، إلاّ أنه يمكننا الاعتماد على بعض المواد التي تُقارب الحالة، ونشتق منها قوانين تجعل مثل تلك الحالات بعيدة عن أية مخاطر ومشاكل اجتماعية مستقبلاً..؟
جاء في المبدأ السادس لإعلان حقوق الطفل الذي اعتمد ونشر بموجب قرار الجمعية العامة رقم 1386/ (د-14) المؤرخ في 20 تشرين الثاني 1959 ما يلي:
(… ويجب على المجتمع والسلطات العامة تقديم عناية خاصة للأطفال المحرومين من الأسرة وأولئك المفتقرين إلي كفاف العيش).
كما جاء في المبدأ الثامن منه:
(يجب أن يكون الطفل، في جميع الظروف، بين أوائل المتمتعين بالحماية والإغاثة).
أما اتفاقية حقوق الطفل فقد جاء في المادة8 منها ما يلي:
(1- تتعهد الدول الأطراف باحترام حق الطفل في الحفاظ على هويته بما في ذلك جنسيته، واسمه، وصلاته العائلية، على النحو الذي يقره القانون، وذلك دون تدخل غير شرعي.
2- إذا حرم أي طفل بطريقة غير شرعية من بعض أو كل عناصر هويته، تقدم الدول الأطراف المساعدة والحماية المناسبتين من أجل الإسراع بإعادة إثبات هويته).
أما المادة 38 فتنص في فقرتيها1- 4 على:
1- تتعهد الدول الأطراف بأن تحترم قواعد القانون الإنساني الدولي المنطبقة عليها في المنازعات المسلحة وذات الصلة بالطفل وأن تضمن احترام هذه القواعد.
4- تتخذ الدول الأطراف، وفقاً لالتزاماتها بمقتضى القانون الإنساني الدولي بحماية السكان المدنيين في المنازعات المسلحة، جميع التدابير الممكنة عملياً، لكي تضمن حماية ورعاية الأطفال المتأثرين بنزاع مسلح.
فإذا كان الواجب الأخلاقي والإنساني والدولي يحتّم على الجميع إيلاء الأطفال عناية واهتماماً ورعاية خاصة في الأحوال العادية، فكيف يستقيم الوضع مع ظروف أزمة سياسية مسلحة تعصف بالبلاد، ضحاياها بالدرجة الأولى هم الأطفال؟
ألا تستوجب هذه الحالات من المشرّعين والحقوقيين سنّ قوانين تضمن لأولئك الأطفال مستقبلاً خالياً من كل عنف وشبهة تخلخل كيانهم وبنيانهم النفسي والإنساني؟