تونس ومتطلبات المرحلة الانتقالية وآفاقها

تعيش تونس منذ انتصار (ثورة الياسمين) أواخر 2010 مطلع كانون الثاني ،2011 بوصفها باكورة ما يسمى (ثورات الربيع العربي) المأزومة، حراكاً شعبياً- حزبياً، يهدف إلى تهديد طبيعة توجه تونس الجديدة- السياسي ما بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي. ويظهر الحراك الاجتماعي – السياسي الحالي، طبيعة الاصطفافات والتجاذبات الجارية ما بين قوى الائتلاف الثلاثي الحاكم بقيادة حركة (النهضة) الإخوانية، وما بين القوى  الديمقراطية والقومية والعلمانية على اختلافها، وتشكيلاتها المتنوعة القائمة، ويعكس هذا الحراك، في حدود ليست قليلة، واقع تونس الراهن والمستقبلي القريب، وخاصة الاقتصادي والأمني.

وشكلت أحداث منطقة سيدي بوزيد، التي انطلقت إثر إحراق محمد بوعزيزي نفسه أمام عربة خضاره التي يعتاش منها، الشرارة التي عمت تونس، المحتقنة أساساً والرافضة لنظام الاستبداد والتفرد والديكتاتورية، الذي مثّله نظام بن علي. وأظهرت في العديد من جوانبها الحالة الاقتصادية – الاجتماعية التي تعيشها تونس، ورفض الشعب التونسي وقواه الحية للأوضاع القائمة في البلاد.

وخلافاً للحالة المصرية التي سعت حركة الإخوان المسلمين فيها إلى أخونة الدولة ومؤسساتها، والانفراد بمفاصل الحكم فيها، فقد عملت حركة النهضة الإخوانية بقيادة زعيمها راشد الغنوشي، إلى إقامة ائتلاف ثلاثي بقيادتها، تقاسمت فيه السلطات الثلاث (الرئاسية، التنفيذية، البرلمانية) مع حليفيها: حزب المؤتمر بزعامة منصف  المرزوقي (رئيس الجمهورية) وحزب التكتل بزعامة مصطفى بن جعفر (رئيس المجلس التأسيسي المؤقت).

وشهدت فترة العامين ونصف العام الماضيين، حالة من الانفلات الأمني، واتساع نشاط حركة التطرف التكفيري – الأصولي وعملياتها العسكرية ضد الدولة ومؤسساتها، وخاصة في جبل الشعابني من جهة، واصطفاف القوى الديمقراطية واليسارية والعلمانية في أطر ائتلافية واسعة (الجبهة الشعبية مثلاً) من جهة ثانية.. فضلاً عن العديد من عمليات الاغتيال لقادة يساريين وعلمانيين (شكري بلعيد، رئيس الجبهة الشعبية في شهر شباط ،2013 والنائب محمد البراهمي في 25 تموز من العام نفسه).

ورغم التدخل الخارجي الداعم لحركة النهضة من الدولة الإخوانية (تركيا مثلاً)، كذلك الدعم المالي الانتخابي القطري، الذي ساهم في حدود ليست قليلة، في زيادة فرص نجاح هذه الحركة وحصولها على 90 نائباً من مجموع أعضاء المجلس التأسيس المؤقت ال ،217 فإن الائتلاف الثلاثي الحاكم لم يستطع حل إشكاليات تونس الاجتماعية، وصعوباتها الاقتصادية، وساهمت هذه الحالة القائمة في ازدياد حدة التجاذبات والحراك السياسي- الشعبي، الذي اضطر حكومة الجبالي (الإخوانية) إلى تقديم استقالتها، بعدما رفضت حركة النهضة اقتراحه تشكيل حكومة تكنوقراط موسعة، والحوار والانفتاح على القوى السياسية الأخرى العاملة والناشطة خارج إطار الائتلاف العام.. كما لم تستطع حكومة النهضة الجديدة بزعامة علي العريض (وزير الداخلية في حكومة الجبالي) حل الإشكاليات التي أدت إلى استقالة حكومة الجبالي، وتالياً استمرار الحراك الشعبي- الحزبي التونسي، وازدياد تاثير حركة الشارع، والتشديد على مطالبها المتلخصة في استقالة حكومة العرّيض، وتشكيل حكومة توافق وطني موسعة، وإقرار دستور مؤقت للبلاد، وتحديد موعد الانتخابات البرلمانية القادمة.

وقد أدى هذا الحراك، واستمرار مسلسل العنف المسلح، إضافة إلى عدم حل الصعوبات الاقتصادية – الاجتماعية التي تواجهها تونس، إلى الاستجابة لشعارات الشارع التونسي وقواه الحية ومطالبهم، وفي المقدمة استقالة حكومة العريض، كذلك (التوافق) – (المساومة) بين غالبية القوى السياسية الفاعلة في تونس، على تشكيل حكومة جديدة مؤقتة برئاسة مهدي جمعة، وزير الصناعة في حكومة العريّض، وإقرار المجلس التاسيسي بأغلبية ساحقة الدستور المؤقت للبلاد، الذي يضم حقوق المواطنة والحريات العامة والمساواة بين الرجال والنساء، وحرية الاعتقاد.. إلخ، بوصفه مقدمة لنظام سياسية ديمقراطي تعددي، وآليات التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع.. كذلك تحديد موعد أولي للانتخابات البرلمانية في منتصف هذا العام.

وإذ شكل هذا (التوافق) انتصاراً أولياً للقوى الديمقراطية والعلمانية التونسية، فإنه أظهر في الوقت نفسه التباينات الداخلية التي تعانيها حركة النهضة (يشير المراقبون إلى تعارضات بين الغنوشي والجبالي وغيره من قادة الحركة). كذلك إلى رفض المرزوقي بقائه رئيساً بروتوكولياً في ظل نظام برلماني، اليد العليا فيه لرئيس الحكومة (انتقد المرزوقي في رسالة وجهها إلى مؤتمر حزبه الأخير سياسة حركة النهضة)، وطرحه خوض حزبه الانتخابات القادمة منفرداً.. فضلاً عن الملاحظات العديدة التي يبديها بن جعفر، رئيس المجلس التاسيسي المؤقت (أحد أحزاب الاشتراكية الدولية) حول سياسة الحكومة، ومن ورائها حركة النهضة وزعيمها الغنوشي، وتقديم نفسه وحزبه بأنه يقف وراء المحافظة على الديمقراطية والتعددية وحرية الرأي، لا بل المطالبة بتطويرها، فضلاً عن ضرورة تخليص تونس من الحركات السلفية – الجهادية وعنفها وعملها العسكري (يعد النظام الاجتماعي التونسي المقر في عهد الحبيب بورقيبة، من أرقى الدساتير والأنظمة المعمول بها في العالم العربي، وبخاصة مسألة المساواة بين المرأة والرجل، والتعددية السياسية، وإن كانت غير فاعلة في المرحلة السابقة، وخاصة في عهد بن علي).

إقرار الدستور المؤقت الجديد في 26 كانون الثاني الماضي، وتشكيل حكومة موسعة مؤقتة (حكومة توافق)، وتحديد الانتخابات البرلمانية القادمة، هي عناوين هامة تعكس بمجموعها الحالة التونسية القائمة والتطورات التي تشهدها البلاد. وتؤشر بمجموعها أيضاً إلى دخول تونس مرحلة جديدة عنوانها الرئيس تحديد طبيعة توجه تونس وكيفية تعاطيها مع الحالة الاقتصادية – الاجتماعية وانعكاساتها السياسية – الشعبية من جهة، وطبيعة علاقات تونس العربية والإقليمية من جهة ثانية.

نشير هنا إلى المظاهرات الحاشدة التي شهدتها تونس قبل أيام قليلة مطالبة بوقف العنف والتطرف، كذلك إعادة العلاقات الدبلوماسية مع سورية، ووقف تدفق (المجاهدين) التونسيين إلى سورية، وانضمامهم للحركات التكفيرية- الأصولية السورية المعارضة.. وتضاف أيضاً إلى المطالب الشعبية حول كيفية تجاوز تونس لصعوباتها الداخلية، على اختلافها، وضرورة تصحيح علاقاتها الخارجية وإخراجها من دائرة التحالف مع أنظمة الأخونة ومحور (قطر، تركيا)، والشرعنة النهضوية للتدخل السلبي السافر الرسمي في الأزمة السورية، والوقوف إلى جانب (المعارضات) السورية الخارجية المرتبطة، والتأييد أو غض النظر عن سفر آلاف التونسيين الجهاديين إلى سورية، والاصطفاف في الموقف من الأزمة السورية مع محور (قطر، السعودية، تركيا)، إضافة إلى دعم قيام ثورات  (ربيع عربي) أخرى في بلدان المنطقة.

إنجازات هامة أحرزتها الحركة الشعبية التونسية بقواها الديمقراطية واليسارية والعلمانية، وتنتظرها محطات ليست أقل أهمية ممثلة في الإصلاح وتعزيز الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، التي ستظهر سياسة الحكومة المؤقتة ونهجها وتوجهاتها.. كذلك نتائج الانتخابات البرلمانية القادمة التي يؤكد المراقبون أنها ستختلف كثيراً عن الانتخابات السابقة، خاصة بعد تبلور الاصطفافات والتجاذبات في الحركة السياسية- الشعبية التونسية، وانكشاف حقيقة توجهات أنظمة الخريف العربي المأزومة أصلاً، وبضمنها حركة النهضة التونسية الإخوانية.

العدد 1194 - 15/04/2026