نسيج وحده… لكنه من الثابت دائماً..!
(غير أنّ تجربة زكريّا تامر، على أهميتها، وعلى امتداد تاريخها، ظلت رهينة نفسها على ثلاثة مستويات بآن: شواغل القص ومؤرقاته، وعوالم التخييل القصصي، ووسائل القص وأدواته. وإلى الحد الذي يبدو أنّ آخر نص لزكريا تامر هو أوّل نص، وأن ما بينهما لا يعدو كونه تنويعات حكائية على النص الأول من جهة، و.. إن ثمة ما يُشبه الثبات، أو العطالة على نحو أدقّ، في مجمل تلك التجربة، وعلى غير مستوى، من جهة ثانية).
كلام ينسحب
هذا الحكم توصل إليه الناقد والأديب نضال الّصالح في تجربة زكريا تامر، في كتابه (قبل فوات الحكاية) الصادر مؤخراً.
ولكن رغم ذلك، فإنّ المسألة التي لا يختلف عليها ناقدان، هي أنّ التجربة التامرية تُعدّ نسيج وحدها، و.. حالة العطالة، أو الدوران في المربع الأول، تنسحب على تجارب الكثير من المبدعين السوريين، و.. قلما نجت منها تجربة إبداعية، حيث كان (الثابت) هو العنوان الرئيسي لتلك التجربة، فبماذا تختلف أول قصيدة لشاعر بحجم نزار قباني، عن آخر قصيدة له، رغم تنوّع الأغراض الشعرية التي كانت غاية قصيدته على مدى أكثر من نصف قرنٍ من السنين، و.. إذا ما تابعنا سرد الأمثلة، فقد نحصل على نتائج مفجعة، لدرجة كنّا نتمنى على المبدع لو توقف عن الكتابة منذ ربع قرن، لأنّ ما قدمه في البداية ظلّ (بيضة الديك) التي كان عليه أن ينوّع عليها بنتاج أقل، ألم يُخيب أملنا شاعرٌ بحجم محمد الماغوط خلاله نتاجاته الأخيرة، وهل قدم حنا مينة ما يفوق قيمة ثلاثيته الشهير (حكاية بحار، الدقل، المرفأ البعيد) رغم القول الأكيد أن تجربة كل قامة من هؤلاء هي (نسيج وحدها) لكنها اتسمت بما وصفه صديقنا الصالح لتجربة صاحب (النمور في اليوم العاشر)..!
دروان في المكان
و.. هذه يعدّها الكثيرون (ورطة) عربيةً، وليست سورية فقط، أي موجودة في ثقافتنا العربية فقط، وهي أن يُعرف الكاتب بعملٍ واحد، يبني عليه (مجده) الإبداعي بكامله، حيث يأتي كل ما يكتبه بعده تنويعاً عليه، أو صدى له، وغالباً يكون العمل الكتابي الأول، الذي يصير ك (بيضة الديك)، كما صاروا يطلقون على هذه الحالة، وإذا ما أردنا عرض عدد من الأسماء الروائية العربية، فسنجهد الذاكرة كثيراً لجعلها تتذكر أكثر من عمل اشتهر به الكاتب، أو أشهره.. لا فرق.
و.. لو رجعنا إلى ماضي هذه الإشكالية، فإننا نجد أن الكثير من كبار شعراء العربية، ومنذ ما قبل الإسلام، قد لا يُعرفون سوى بقصيدةٍ واحدة، و.. قد لا يُعرف الشاعر سوى ببيتٍ شعري واحد من قصيدة، أي حتى إنه لا يُعرف بقصيدة كاملة، وليس بالضرورة أن يكون هذا البيت هو أقوى أو أفضل ما كتب، حتى ليبدو مثل هذا العمل كمن وضع حساباً في البنك يصرف منه طول الوقت دون أن يضيف عليه شيئاً.. وقلّةٌ من نجا من الأدباء، أو وجد مسلكاً للنفاذ من هذا العبء، أو تأثير هذه (البيضة)، وألا يكون ديكاً ولا بيضةً، وإنما الدجاجة التي تبيض ذهباً في كل مرة..
الثابت المتحوّل
مع ذلك توفر مثل هذا الكاتب رغم ندرته أكثر من مرة.. أي لم تخلُ الساحة الثقافية من أمثلته، فالراحل هاني الراهب، منذ روايته الأولى (الوباء)، وحتى الرواية الأخيرة (ورسمت خطاً في الرمال)، و.. هنا نذكر، إنه في رصيد الراهب تسع روايات، استراح خلال سردها بكتابة القصة القصيرة، وقد فعل ذلك ثلاث مرات، إضافة إلى مئات المقالات والدراسات الصحفية، التي اتسمت جميعها بالتمرد، والمصبوغة بروح التهكم، دون أن تنسى الشاعرية كثوب أو فستان، لابد أن يلبس أي نوع من الكتابة، لأنه بغيرها لامعنى للإبداع، بقي طوال الوقت يُقدم إضافاته وانعطافاته في كل ما كتب..!
و.. هكذا فعل سعد الله ونوس، فيما كتبه من مسرحيات، يشترك فيها مع الراهب في هذا التفرد.. وهذا تماماً ما وسم تجربة الأديبة غادة السمان باعتبارها منقطعة عما قبلها، و.. نوّعت بين أكثر من جنس أدبي، ولم تبقَ أسيرة (كتابها الأول)، و.. يبقى أدونيس، يصول، و.. يجول، ويُنوّع، و.. حتى ينقلب أحياناً على كتاباته ورؤاه الأولى، فقد بقي (ثابته) في تحوّل طول الوقت.
ما تحدثنا به سابقاً، كان عن تجارب الرواد، فكم ينسحب ما تقدم على التجارب الحالية في المشهد الثقافي السوري، و.. في القراءة المتأنية، سنقدر حجم الخيبة..!!