بعد اتفاق الدول الكبرى وإيران في 5+1 جنيف 2 محط أنظار السوريين والعالم

رغم أن الخلافات الأمريكية- الأوربية /الإيرانية حول ملف إيران النووي، كانت قائمة قبل الأزمة السورية بسنوات، لكن اتضاح أهداف التدخل الخارجي في المسألة السورية، وارتباطه بالمخطط الأمريكي الصهيوني للهيمنة على مقدرات المنطقة، وكسر محور المقاومة، ومصادرة السياسة الوطنية السورية، قارب بين الملفين دون الترابط العضوي بينهما.

فحق إيران المشروع في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، وللدفاع عن وجودها أمام التهديدات الأمريكية والإسرائيلية، اصطدم بتعنت أمريكي أوربي، وتخوف إسرائيلي خليجي، ساهم في تحويل المنطقة إلى ترسانة عسكرية أمريكية تستنزف المليارات النفطية، وتضع الشرق الأوسط على حافة البركان، رغم أن إسرائيل امتلكت السلاح النووي قبل ذلك، دون أن يتنطح أمراء النفط العربي إلى العويل والصراخ وشحذ السيوف والخناجر آنذاك! ولا يقلقهم اليوم قضم إسرائيل للأراضي الفلسطينية، وإقامة المستوطنات وعدم الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وممارستها إرهاب الدولة العنصري، والغطرسة (النووية) الإسرائيلية!

أما في المسألة السورية فقد أراد لها المخطط والمنفذون في الخارج والداخل، وخاصة الخليجيون، أن تضعف، بل أن تجهض أي أمل لدى شعوب المنطقة بمواجهة خطر الهيمنة الأمريكية، والتوسع الصهيوني، مستغلين بطء التحولات السياسية الديمقراطية، والاستياء الشعبي إزاء السياسات الاقتصادية، للإطاحة بالسياسة الوطنية السورية المقاومة للإمبريالية والصهيونية التي تلقى الدعم والتأييد والمساندة من القوى الرافضة للاستسلام في المنطقة، وفي مقدمتها إيران.. والمقاومة اللبنانية والفلسطينية، وبذلك يحققون بضربة واحدة أكثر من هدف، بعد التحولات الدراماتيكية التي جرت في تونس وليبيا ومصر.

إن نجاح إيران في التوصل إلى اتفاق (جنيف) مع الدول الكبرى يحفظ لها حقها في استخدام الطاقة النووية، قوبل بارتياح داخلي إيراني، وتفاؤل دولي بإمكانية حل جميع النزاعات التي تهدد السلم العالمي، بالحلول السياسية والحوار، ومنها بطبيعة الحال الأزمة السورية، لكن حكام السعودية وحليفهم الصهيوني كان لهم رأي آخر.

فقد عبر نتنياهو عن خيبة أمل بعد توقيع الاتفاق، وقال: إن ما تحقق منذ أيام ليس اتفاقاً تاريخياً، بل خطأ تاريخي.. وأكد استمراره في سياسته المنفردة تجاه (الخطر) الإيراني. أما رئيس لجنة الشؤون الخارجية في ما يسمى ب(مجلس الشورى) السعودي فقد صرح بأن النوم سيجافي المنطقة بعد الاتفاق الإيراني مع الدول الكبرى!

جنيف على موعد مع استحقاق آخر بعد الاتفاق النووي الإيراني، وبغض النظر عن نتائج الاجتماع الروسي الأمريكي الأممي بتاريخ 25/.11. فإن السوريين باتوا يشعرون بقرب انتهاء أزمتهم التي طال أمدها، وتشعبت زواريبها، وتعددت أيدي اللاعبين فيها خدمة لمشاريع الهيمنة الأمريكية الصهيونية والرجعية السوداء، فما تحققه القوات المسلحة السورية من تقدم يترافق مع جهود سياسية تبذلها روسيا والأمم المتحدة لوضع أجندة توافقية صالحة لبدء الحوار بين السوريين في جنيف ،2 ورغم العراقيل التي تضعها السعودية باعتبارها الداعم الأكبر للمجموعات الإرهابية المسلحة في سورية، والصعوبات التي تتمثل في ازدواجية، بل تعددية مواقف (الائتلافيين) وأنصارهم حول حضور المؤتمر العتيد، وبهلوانية السياسات الأمريكية تجاه الأزمة السورية، فإن اعتقاداً لدى المجتمع الدولي، خاصة بعد الاتفاق الإيراني- الدولي، بأن الإسراع في التئام جنيف 2 بات أمراً ضرورياً، لسببين رئيسيين:

الأول: ازدياد معاناة الشعب السوري بعد الدماء التي سالت، والمدن التي هدمت، والمنشآت التي حرقت، والملايين التي شردها تهجير قسري، والضائقة المعيشية التي سببها الحصار الاقتصادي الجائر، والرعب الذي تزرعه المجموعات الإرهابية، و(الإمارات) الإقصائية، في نفوس أبناء الشعب السوري. والثاني: اتضاح سيناريو الإرهابيين وداعميهم السعوديين الهادف إلى نقل الإرهاب من سورية إلى دول الجوار، بل إلى دول إقليمية أخرى. وما يجري من عمليات إرهابية في العراق ولبنان، وآخرها تفجير سفارة إيران في بيروت، إلا دليل على خطورة هذا السيناريو وتهديده لأمن الشرق الأوسط واستقراره، وهذا ما بدأ يقلق الأوربيين القريبين من مفاعيل هذا التشظي الإرهابي. تفاؤل الشعب السوري بالجهود الدولية المبذولة لحل الأزمة السورية عبر جنيف 2 سيزداد اتساعاً، إذا ما ترافقت المساعي الدولية مع إجراءات داخلية باتجاه خلق انفراج داخلي يشمل توسيع الحوار مع المعارضة الوطنية في الداخل، وإطلاق سراح الموقوفين ومعتقلي الرأي، وبذل الجهود لتخفيف معاناة الجماهير الشعبية التي تواجه صعوبات معيشية طال أمدها. إن إنهاء الأزمة السورية عبر توافق السوريين، كان ولايزال، مطلباً لجميع فئات الشعب السوري، فقد آن لجماهيرنا أن تداوي جراحها، وتعيد بناء بلدها، وتتطلع إلى مستقبلها الديمقراطي.. التعددي.. العلماني.. ودولتها المدنية، المعادية لجميع أشكال الهيمنة والغطرسة.

العدد 1140 - 22/01/2025