مستقبل تركيا السياسي..!

قبل تسعمئة عام توطن الأتراك شمال بلاد الشام (آسيا الصغرى) وأسسوا الدولة العثمانية. وخلال هذا التاريخ الطويل من الصعود والهبوط.. من الإمبراطورية العثمانية (الاستعمار القديم) الذي نشر الظلام والاستبداد والفقر والجوع في العالم العربي ..  ومئات الحروب التوسعية.. إلى المجازر بحق الأرمن والكرد والأقليات الأخرى، وصولاً إلى (الرجل المريض) والإعلان عن مبادئ (أتاتورك) الشهيرة، أن تركيا دولة علمانية.

واجهت تركيا بعد عام 2002 الكثير من المشاكل، التي هددت وجودها دولةً وكياناً سياسياً، ومنها (أزمة الهوية)، ووجود انفصام في تحديد الانتماء، وانقسام بين (شرق تركيا) الآسيوي، و(غربها) الأوربي. ولم ينجح حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان في تحقيق حلمه حتى الآن، بالانضمام إلى الاتحاد الأوربي.

ولا بدَّ من التذكير ببعض المسائل التي أدَّت إلى الكثير من الإشكاليات، وأحدثت إرباكاً في سياسة تركيا الإقليمية والدولية. وقدَّمت إشارات واضحة دفعت حكام تركيا، إلى إعادة النظر بالسياسة الخارجية وبحث مسألة التقارب مع دول الجوار، من أجل ضمان مرور خطوط الغاز المستكشف حديثاً، شرق البحر المتوسط وشمال العراق عبر أراضيها إلى أوربا.

تسعى تركيا إلى فتح طريق (المصالحة والمساومة)، وردم الحفر ونزع الألغام منه. وإعادة ترتيب أحلامها الفاشلة في (زعامة الشرق الأوسط). ومن أبرز هذه المساعي محاولة فتح نافذتين على العراق وإيران، بعد أن أغلقت السعودية الأبواب في وجهها وتخلَّت عن التحالف معها، بسبب موقفها من التغيرات المصرية الأخيرة، وهزيمة الإخوان المسلمين المدعومين من حكومة أردوغان ومشيخة قطر، وضربت على رأسها بعصا سعودية ثخينة، فسقطت جريحة في هذا البازار الخاسر، في الوقت الذي بدأ حكام تركيا انتهاج سياسة (مد الجسور وحفر الأنفاق). وليس جديداً القول إنها تشكل مركزاً رئيساً لاستقبال التكفيريين من عشرات البلدان وتدريبهم وتأهيلهم، وأصبحت مأوى للإرهاب العالمي ومصنعاً لتصدير الفكر الظلامي والسلاح المتطور إلى سورية.

السؤال المتكرر: هل وصلت السياسة التركية في الشرق الأوسط إلى مرحلة الانهيار؟

إن إعادة قراءة أحداث السنوات القليلة الماضية، ووضع خطوط خضر تحت بنود الاتفاقات السياسية والاقتصادية بين تركيا من جهة، ومجلس التعاون الخليجي وسورية من جهة ثانية، يستدعي القول إن أوراقاً قد تمزَّقت، وأبنية شاهقة أسس قواعدها حزب العدالة والتنمية، سرعان ما سقطت جدرانها وسقوفها!

الآن.. يستعيد حكام تركيا شعار (تصفير المشاكل مع الدول المجاورة)، نتيجة الهزات واللطمات الموجعة والضربات المؤذية على الرأس. وبدؤوا بالبحث عن طريق (التغيير التدريجي وإقامة تحالفات جديدة)، لأسباب تتعلَّق بالطاقة والأمن القومي، ولأسباب أخرى من أبرزها: (الاتفاق النووي الإيراني الدولي، وتحديد موعد مؤتمر جنيف،2 والانتصارات الميدانية التي يحققها الجيش العربي السوري)، إضافة إلى تصعيد الخلافات بين رأسي النظام (عبدالله غول)، الذي يسعى لتحسين علاقات تركيا مع دول الجوار من جهة، و (رجب طيب أردوغان) الذي يعمل على إفشال هذه السياسة وتقويضها، لأسباب إيديولوجية من جهة ثانية.

لقد فشلت تركيا في أن تتبوأ زعامة الشرق الأوسط، ولم تجرِ حسابات دقيقة أو تفكر بشكل جيد، أن هناك دولاً إقليمية رائدة تتقدَّمها في المنطقة مثل: (مصر وإيران وسورية والعراق..). إضافة إلى أن هناك أسباباً تاريخية ودوافع (نرجسية) للنخب التركية موجهة ضد الكرد والأقليات الأخرى وعدم الاعتراف بها.

وتعكَّرت مياه العلاقات الأمريكية – التركية. ولم تجرِ الرياح بما تشتهي السفن التركية. وقد أشارت صحيفة (الواشنطن بوست) إلى ذلك  بالقول: هناك قضيتان تواجهان أنقرة. القضية الأولى، تطمح تركيا لبناء صناعتها الدفاعية وتشعر بخيبة أمل، من عدم قيام الشركات الأمريكية بنقل التقنية مقابل مشتريات الأسلحة. ويرى المسؤولون الأتراك أن التحول باتجاه الصين هو وسيلة لتعزيز قدرتهم التفاوضية مع الشركات الأمريكية. أما القضية الثانية، فتشير تركيا إلى خيبة أملها إزاء سياسة إدارة أوباما تجاه سورية، وتحاول أنقرة إقناع الولايات المتحدة الانضمام إلى جهودها ودعم المعارضة دعماً كبيراً.

السؤال الذي ننتظر الإجابة عنه: هل تتحقق التوجهات التركية الجديدة في تغيير مواقفها المعادية تجاه سورية وبعض الدول العربية، والاعتذار عن الأخطاء السياسية التي ارتكبتها؟

العدد 1140 - 22/01/2025