الأزمة السورية والجهود الروسية… أهدافها وتبعاتها

تؤشر اللقاءات والاتصالات الثنائية وشبه الجماعية العديدة، الإقليمية والدولية، التي جرت خلال الأسبوع الماضي تحديداً، وطبيعة الجهود المركزة، وبخاصة تلك التي تنتهجها روسيا حول الانتهاء من أسطوانة تأجيل مواعيد جنيف 2 المتكررة، وضرورة البدء الفعلي (الدولي) أولاً، بخطوات عملية واضحة ومحددة، حول سبل حل الأزمة السورية وآلياتها، والمبررات والمعيقات (المصطنعة)، والتبعات المحلية والإقليمية السلبية لذلك حتى تاريخه، أو الانتظارية بأهدافها الذاتية والانتهازية والوطنية الضيقة (عربانياً) و(غربياً) وأمريكياً.

فقد بات جلياً للجميع على مدى أكثر من سنتين، ولأطراف الأزمة السورية أولاً، وبعض الجهات (الإقليمية) و(الدولية) ثانياً، أن لا خيار عسكرياً للأزمة السورية، أو تدخلاً خارجياً أجنبياً، أو المراهنة على تغيير في موازين القوى الداخلية لصالح ما يسمى زوراً ب(قوى التغيير والديمقراطية والإصلاح).. إلخ. وأكد ذلك الإنجازات الميدانية للجيش العربي السوري، وخاصة في الشهور الماضية، كذلك التبدل التدريجي (الاضطراري) في الرؤى السياسية (الدولية) تجاه هذه الأزمة، إضافة إلى مآزق العديد من الدول الإقليمية المنخرطة سلباً في هذه الأزمة، وخاصة محور (السعودية، قطر، تركيا) بتبايناته، والقناعة المتزايدة لدى الكثيرين من الدول الغربية والولايات المتحدة (المنشغلة) بالملف السوري وتبعاته.

وفي ظل الأزمة التي تعيشها أطراف (المعارضات) على كثرتها وتبايناتها وخلافاتها، الخارجية المرتبطة بها، والوطنية الداخلية، بمواقفها وشروطها الضبابية والعامة، وبعضها غير الواقعي أيضاً، إضافة إلى خلافاتها مع غالبية المجموعات المسلحة، على اختلافاتها وتناقضاتها أصلاً، وصولاً إلى الاقتتال فيما بينها.. وعدم قدرتها على (ضبط) أو (إلزام) الغالبية الساحقة من هذه المجموعات بضرورة الحوار والحل السياسي، وتالياً عقد مؤتمر جنيف ،2 بوصفه خطوة نحو الحل السياسي، المؤجل مراراً، ولأسباب عديدة أهمها (قدرة) الولايات المتحدة على ضبط حلفائها المعارضين، أو وكلائها وأدواتها الصغيرة التي تثير علامات استفهام حول حقيقة الدور والضغط الأمريكي الفعلي والعملي تجاهها، وحول مواقفها من حل الأزمة السورية بتبايناتها وربما تناقضاتها، ما بين الأصل والفروع (المرتبطة) أو (العاملة) أساساً في إطار الحل الأمريكي أساساً، وتابعه (الأوربي) عملياً، بغض النظر عن بعض التشويشات أو محاولة الحفاظ على ماء الوجه، في إطار تفاصيل الحوار المفترض والحل السياسي المطلوب وتداعياته عليهم جميعاً.

وفي هذا السياق يبرز بوضوح وأكثر من أي وقت مضى، ازدياد الفعالية الروسية، بسبب صحة ومبدئية موقفها أولاً، والتأييد الدولي المتزايد لتوجهها، وأزمة الطرف الآخر الأمريكي (الإقليمي) والمحلي المعارض على خلافاته وتعارضاته ثانياً.. التي تجلت قبل أيام قليلة في دعوة وفد رسمي سوري رفيع المستوى لزيارة موسكو (17 تشرين الثاني)، يضم د. بثينة شعبان، المستشارة الإعلامية والسياسية للرئيس الأسد، ود. فيصل مقداد نائب وزير الخارجية.. كذلك في الزيارة المفاجئة لنائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف إلى تركيا، ولقائه أطرافاً ورموزاً في (الائتلاف المعارض)، وبضمنهم رئيسه أحمد الجربا، للمرة الأولى، وتوجيهه الدعوة إليهم لزيارة موسكو.

كما يبرز في هذا السياق أيضاً باهتمام أيضاً، ضغط موسكو باتجاه تحديد موعد نهائي وجدي لعقد جنيف ،2 بعد أن تأجل بسبب تباينات (غربية) أمريكية و(إقليمية)، وضرورة جمع ما يسمى بالمعارضات بتبايناتها وخلافاتها تجاه الحل السياسي المفترض والوحيد، الذي أثبتته الوقائع، وبخاصة الإنجازات الميدانية للجيش العربي السوري، وما يمثله شعبياً ووطنياً. كذلك جهود موسكو التي تجاوزت وتخطت العناوين الرسمية ل(المعارضات) على اختلافاتها الجدية، حول الامتناع أو التحفظ، أو وضع شروط لبدء العملية السياسية، التي باتت مطلباً دولياً وإقليمياً، وتلقى التأييد بسبب تبعات الأزمة السورية بسلبياتها وفداحة أضرارها على سورية (شعباً، موالاة ومعارضة، وكياناً ودولة)، والتي أوصلت إلى موقف سلبي حول استمرارها، وازدياد المطالبة المتصاعدة بضرورة حلها وإغلاقها.

وفي هذا الإطار ينظر باهتمام إلى الجهود الروسية وانفتاحها على كل أطراف الأزمة، وبخاصة الأطر (المعارضة)، وبضمنها المرتبطة، وتالياً عدم التعاطي مع ما يسمى ب(الائتلاف) عملياً بوصفه ممثلاً وحيداً للمعارضة، وتالياً ضرورة التوافق المعارض (وهذه إشكاليته الراهنة) كإطار سياسي خارجي مرتبط، بينه وبين المعارضات الوطنية، فضلاً عن موقف المجموعات المسلحة (الإرهابية) أو ما يسمى ب(شبه المعتدلة). ويزيد في قوة التوجه الروسي، التفهم الذي يزداد يوماً بعد يوم من العديد من الدول الأوربية، حول كيفية حل الأزمة السورية برمتها، وضرورة التعاطي مع كل أطرافها، دون شروط مسبقة على هذا الفريق أو غيره.. فضلاً عن الاعتراف الأوربي شبه الرسمي (باستثناء فرنسا، حتى تاريخه لاعتبارات ضيقة آخذة بالتقلص وعدم التأثير)، المتزامن مع دعوة أمريكية تعيقها تباينات في الإدارة الأمريكية، وبعض المواقف (الإقليمية) التي اعتقدت أن حل الأزمة السورية مسألة أسابيع أو شهور بالحد الأقصى، وتعاني حالياً  أزمات تقديراتها الخاطئة، وصولاً إلى الاعتراف (المحلي) و(الإقليمي) و(الدولي) بأن هناك معارضات أخرى يجب، وبات مطلوباً التعاطي معها، وحل مسألة العلاقة بين هذه المعارضات على اختلافها والمجموعات والقوى المسلحة والإرهابية المتباينة والمختلفة أصلاً فيما بينها. إن مسألة جمع كل هذه الأطياف (المعارضة) الوطنية والخارجية المرتبطة، والمجموعات المسلحة الإرهابية، ذات المرجعيات والرؤى المختلفة، لم تعد مشكلة أمريكية بحتة، أو مشكلة حلفائها فقط، بل مسألة تستحق التدقيق من جانب الإدارة الأمريكية والمعنيين بحل الأزمة السورية. وشكلت دعوة موسكو في هذا السياق، المقترحة على الأطراف المعارضة كافة، باستثناء الإرهابيين منهم إلى محادثات في موسطو للبحث في سبل وآليات عملها، دخولاً روسياً من الباب العريض في ظل استفحال مشاكل الآخرين وصعوباتهم، وبضمنهم الإدارة الأمريكية وحلفاؤها المحليون وغيرهم.. وإن هدف موسكو يتلخص في جمع أكبر عدد من أطراف الأزمة (العقلاء) و(المنطقيين) حول طاولة حوار، نستبعد مرة أخرى أكلة لحوم البشر، للوصول إلى حل توافقي أولي لحل الأزمة، يرضى به السوريون أولاً، لأنهم ببساطة أصحاب الأزمة، وتالياً أطراف حلها الأساسيون. وفي هذا السياق ينظر إلى لقاءات موسكو المتعددة، وإلى أزمات الأطراف الأخرى محلياً و(إقليمياً) و(دولياً)، وإلى أن جنيف 2- وإن تأجل مراراً- فإن الحل بات يرتبط أكثر من أي وقت مضى، بمسائل هامة تتلخص في الإنجازات الوطنية السورية (جيشاً وشعباً وأحزاباً وطنية) تزداد فعاليتها وآليات حسمها الميداني.. كذلك في أزمات الإرهابيين، وفي عدم التوافق بين الأطراف المعارضة، حتى تاريخه، وبأن حل الأزمة السورية حوارياً وسياسياً بات مطلباً دولياً، وفي حدود ما، إقليمياً، يخشى من تداعياتها على الجميع لاحقاً أيضاً.

العدد 1195 - 23/04/2026