«جنيف 2» تشابك السياسة والاقتصاد

يرتبط مستقبل السياسات الاقتصادية في سورية بالحل السياسي للأزمة من جهة، وبالوزن النوعي للطبقات والفئات الاجتماعية الذي كان سائداً قبيل الأزمة، والتغييرات التي طرأت عليه خلالها، وبعض النخب والفئات البازغة التي تتهيأ مدعمة بتحالفات إقليمية ودولية لقطف ثمار الحل السياسي، وتوجيه الاقتصاد السوري باتجاهات تخدم مصالحها من جهة أخرى.

السياسة والاقتصاد

يعد استمرار الأزمة السورية فشلاً للسياسة وابتعاداً عن الحوار وتكريساً للسلوك الإرهابي العنيف، وخرقاً لقوانين المجتمعات المتحضرة. إن استمرار حالة الركود التي عصفت باقتصادنا الوطني، والتي ظهرت بداية بتوقف قطاعات الإنتاج، وتسريح عشرات ألوف العمال، ثم تعمّقت، بفرض الولايات المتحدة وشركائها الأوربيين والخليجيين حصاراً اقتصادياً على البلاد.. مما أدى إلى تعثر تأمين مستلزمات الإنتاج، وإغلاق منافذ الاستيراد والتصدير، وتراجع العائدات الحكومية، وازدياد العجز في الموازنات العامة، وظهور فئات (بازغة) سعت إلى استمرار الأزمة بهدف الإثراء.. إن جميع هذه المظاهر تمثل انعكاساً لفشل تحقق التغيير السلمي الديمقراطي، وتوجه أطراف الأزمة السورية إلى استخدام السلاح بدلاً من الحوار السياسي الشامل، والتوافق على تلبية مطالب الجماهير السورية الديمقراطية والاجتماعية.

لكن السؤال الأبرز، ونحن نستعد للدخول إلى المؤتمر العتيد: هل يعني التوافق على صيغة سياسية تعددية، وسيناريوهات الخروج من العنف إلى المصالحة، وتفكيك الأزمة، هل يعني بالضرورة إطلاق إشارة البدء لتوجه اقتصادي تنموي شامل يربط ما بين إنهاض الاقتصاد الوطني وتحقيق المصالح الاجتماعية لفئات الشعب السوري الفقيرة والمتوسطة، التي كانت بجميع المقاييس الضحية الرئيسية للأزمة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية والأمنية، بعد أن كانت هذه الفئات ذاتها ضحية للسياسات الاقتصادية التي انتهجت قبل الأزمة في العقد الماضي.

المشهد يستوجب الموقف

واجهت الجماهير الشعبية السورية أزمة البلاد العاصفة، والحصار الإمبريالي الخليجي، بهياكل اقتصادية هشة، إذ اشتغل مهندسو التحول الاقتصادي باتجاه السوق الحر خلال عقد كامل على تكريس سياسات اقتصادية واجتماعية نيوليبرالية، تقوم أساساً على إطلاق العنان للمشاريع الريعية، وتشجيع الرساميل العقارية والمصرفية، في ظل تحرير التجارتين الداخلية والخارجية، وتهميش قطاع الدولة الصناعي والخدمي. وتفاخر هؤلاء بأرقام خلبية ثبت فيما بعد أنها كانت رماداً في العيون.. فمعاناة الجماهير الشعبية، وفي مقدمتها الطبقة العاملة وصغار الفلاحين والعمال المزارعين والحرفيين وجمهور المثقفين، كانت الدليل الأبرز على خلبية المؤشرات والأرقام، وهذا ما جعل تداعيات الأزمة أكثر شدة على هذه الجماهير، بغياب القطاع العام والتدخل الحكومي.. فوقفت وحيدة أمام حزمة من المستوردين والسماسرة والمضاربين في الأسواق السوداء، وبعض الفاسدين المدعومين في أجهزة الدولة.

لقد فقدت العائلات السورية الفقيرة والمتوسطة في كثير من الأرياف والمدن ممتلكاتها، كما خسرت عملها في القطاع الخاص ومصادر رزقها المتنوعة، الزراعية منها والحرفية، مما أدى إلى ارتفاع نسبة العاطلين عن العمل إلى نحو 42%، وهجرت آلاف العائلات قسراً إلى أماكن أكثر أمناً بغياب فرص عمل حقيقية، وارتفعت نسبة الفقر بين السوريين إلى أرقام قياسية، بعد إغلاق المصانع وتخريب المزارع، وفقدان الدخل، وارتفاع أسعار القطع الأجنبي الذي أدى إلى ارتفاعات جنونية لأسعار المواد الأساسية، الغذائية والطبية.. وتقلصت الأجور الحقيقية للعاملين في الدولة، أما من بقي عاملاً لدى القطاع الخاص، فقد وافق على تخفيض أجره، مما أدى في النهاية إلى ارتفاع عدد الفقراء- حسب اعتقادنا- إلى نحو 15 مليون مواطن.

كذلك أصبحت المنشآت الاقتصادية والمصانع الكبيرة والصغيرة ومنظومة البنية التحتية في البلاد هدفاً مباشراً لنيران مجموعات إرهابية سوداء وتخريبها وقذائفها، فهي لم تكتف بهدم ركائز التنمية الاقتصادية، بل ساقت المصانع السورية كغنائم الغزو إلى تركيا، في محاولة لضرب الركيزة الصناعية لإعادة إنهاض الاقتصاد.. وبلغت خسائر البلاد حتى تاريخه نحو 115 مليار دولار، دون الأخذ بالحسبان فوات الفرص والأرباح المحتملة، ونزيف الدم السوري الذي لا تعادله ثروات العالم بأسره.

أجندات ومبادرات

مستقبل سورية الذي يريده السوريون ديمقراطياً.. علمانياً.. تقدمياً.. معادياً للإمبريالية والصهيونية، والذي لن يأتي أبداً عبر استمرار الإرهاب والعنف وتجاهل خيارات الجماهير الشعبية، بل عبر التوافق بين جميع المكونات السياسية والاجتماعية والإثنية والدينية، ومحققاً لمصالح الجماهير الشعبية التي اكتوت قبيل الأزمة بسبب فرض سياسات اقتصادية تجاهلت مصالحها وأفقرتها، ومعادلة سياسية قلصت إلى حد كبير مساهمتها السياسية والمجتمعية في التغيير السلمي الديمقراطي..

هذا المستقبل يحظى لا باهتمام الشعب السوري فحسب، بل تتدخل في وضع مضامينه قوى خارجية ومؤسسات دولية، في محاولة لأخذه بعيداً عن طموحات السوريين، مستخدمة من أجل تنفيذ أهدافها أجندات وخططاً تحمل عناوين خادعة، بهدف إخضاع سورية والهيمنة على مقدراتها من باب الاقتصاد، بعد أن عجزت الإمبريالية وحلفاؤها عن أخذها، بتسليط سيف الإرهابيين عليها، والتلويح بالعدوان العسكري المباشر.

البعض تلطى خلف المنظمة الأممية (وملحقاتها)، فوضع (الأجندة الوطنية لمستقبل سورية) التي لم تتطرق إلى وصف شامل لحالة الدمار التي أصابت جميع القطاعات المنتجة والبيئة التحتية فقط، بل طرحت (سيناريوهات) مدعمة بأجندات سياسية واقتصادية تؤشر إلى نيّة مبيتة لسلب الجماهير السورية حقها في اختيار سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، بعد أن همّشت هذه الخيارات على يد نخبة من مهندسي التحول الاقتصادي باتجاه السوق الحر في العقد الماضي.

تتضمن هذه الأجندة مبادئ عامة تستلهم، حسب ما جاء فيها، مبادئ الأمم المتحدة- وحدة الأراضي السورية واحترام سيادة الدول- حقوق الإنسان – الديمقراطية والعدالة الاجتماعية- الحق في التنمية المستدامة- ضمان السلام والاستقرار الإقليميين (1).. لكننا نسأل هنا: هل تم التدخل الأجنبي، وخاصة التدخل الإمبريالي في الدول النامية، إلا بالاستناد إلى تلك الشعارات البراقة؟ وهل تحتاج سورية إلى أجندات خارجية تحدد مستقبلها السياسي الاقتصادي؟

نحن هنا لا نرفض مبدأ التعاون والمساعدة وحتى المشاركة، لكننا نفضل أن يتم ذلك استناداً إلى خطط حكومية مركزية حكومية توضع هنا.. في سورية.. وبأيدي اقتصادييها وخبرائها الذين عاصروا التحولات التي طرأت على البنية الاقتصادية، وسلبيات السياسة الاقتصادية النيوليبرالية، وانعكاساتها على الأوضاع الاجتماعية والمعيشية للفئات الفقيرة والمتوسطة.

ونقترح أن تتمركز هذه الخطط الحكومية على الأوليات التالية:

1 – إعادة تأهيل البنية التحتية وفق برنامج زمني يأخذ بالحسبان مستلزمات إعادة إقلاع قطاعات الإنتاج الرئيسية،ونعني هنا تأهيل الطرق ومشاريع الطاقة الكهربائية وسكك الحديد وغيرها.

2 – مساعدة القطاع الصناعي العام والخاص على إعادة بناء ما تهدم من المنشآت،وتأمين مستلزمات الإنتاج،والتوسط مع المصارف العامة والخاصة لتسهيل سياسة الإقراض .

 3 – إعادة النظر بسياسات الانفتاح والتحرير،ولانعني هنا العودة إلى غلق الأبواب..بل الانفتاح على الاقتصاد الإقليمي والدولي بقدر ما يحقق الفائدة لصناعتنا الوطنية وإنتاجنا الزراعي،ومراجعة الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية التي وقعتها الحكومة السابقة، وإلغاء ما كان منها مجحفاً وضاراً بقطاعاتنا الإنتاجية.

4 – وضع برنامج واضح لإصلاح القطاع العام الصناعي، والاهتمام بالمصانع الصغيرة والورشات والحرف والمشاغل، التي تشغل الجزء الأكبر من اليد العاملة في البلاد، ومساعدتها على تأمين مستلزمات الإنتاج من مواد أولية وطاقة،وتسهيل حصولها على القروض المصرفية.

5 – ضمان الأمن الغذائي في البلاد عن طريق الدعم الدائم لقطاع الزراعة،والاستمرار في تنفيذ المشاريع المائية،ومصانع السماد والعلف،وتنمية الثروة الحيوانية،ومنح التسهيلات لمشاركة القطاع الخاص في إقامة المشاريع الصناعية- الزراعية في المحافظات الشرقية.

6- الحفاظ على ملكية الدولة وإدارتها للمرافق الحيوية والاستراتيجية،كالمرافئ والمطارات وقطاعات الكهرباء والمياه، وتحديث طاقمها الفني والإداري،وإعادة النظر ببعض التشريعات التي يفوح منها رائحة خصخصة هذه المرافق .

7 – دعم صناعتنا الوطنية وتحديثها، وتقديم مايلزم من تسهيلات كي تصبح هذه الصناعة، فعلاً..لا قولاً، قاطرة التنمية في البلاد،وحصر نشاطات الشركات الاستثمارية الكبرى بالمشاريع الأساسية ذات التكاليف الاستثمارية المرتفعة،لا في المطاعم والمنتجعات، وتوجيه القطاع المصرفي الخاص والعام نحو المساهمة في المشاريع الكبيرة الملحوظة في خطة التنمية، وإطلاق القروض العامة(سندات الخزينة) لتمويل المشاريع الاستثمارية حصراً .

8- قيام الحكومة بالإشراف على إعادة توزيع الدخل الوطني بين الفئات الاجتماعية،عبر شبكة واسعة من الخدمات التي تستهدف الفئات الأقل دخلاً،كالتعليم المجاني المتطور،والضمان الاجتماعي والصحي،وتنمية المناطق المتخلفة، واستهداف بؤر الفقر، وتمكين المرأة.

9 – مكافحة الفساد بجميع أشكاله وتجلياته، فهو يعطّل تنفيذ الخطط التنموية،ويحبط آمال الجماهير الشعبية بعملية التنمية برمّتها.

إن اختزال الأزمة السورية ببواعثها السياسية، والتغطية على الأسباب الاقتصادية والاجتماعية، يؤدي إلى ترك جوهر النهج الاقتصادي في المرحلة القادمة، رهينة لتسويات سياسية قد تأخذه بعيداً عن تحقيق مطالب الشعب السوري، وقد تسهّل عودة من عجز عن أخذ سورية بالعدوان العسكري والهيمنة المباشرة، ولكن هذه المرة من بوابة الاقتصاد.

العدد 1195 - 23/04/2026