ضرورة تلازم الحل السياسي ومكافحة الإرهاب

إن الحاجة إلى الحوار الوطني الواضح والصريح والشفاف أصبحت ضرورة حقيقية ومُلحّة، حتى نستطيع تجاوز هذه المرحلة العصيبة التي خيّمت بظلالها على سورية منذ ما يقرب الثلاث سنوات.

فبينما تتزايد القناعات الدولية والإقليمية بأن الأزمة السورية لن تُحسم بالحل العسكري، وأن الطريق الأفضل لتجاوزها يتم عبر الحوار الذي يُفضي إلى الحل السياسي، نرى من يخرج من (المعارضة المسلحة) وتلك التي تدور في فلك تنظيم القاعدة ك(داعش) و(النصرة)، ليقول: إن الحوار الوحيد مع الحكومة السورية سيكون عبر السلاح فقط، وإن من يدعو إلى الحل السياسي كمن يغسل يديه من الالتزامات الدينية المفروضة عليه.

بدايةً، نستطيع القول إن هؤلاء ومن لفّ لفيفهم من أصحاب الفكر الظلامي الأسود، ليسوا جزءاً من مشروع سياسي يمكن التحاور معهم أو التعامل معهم من منطلق وطني، لأنهم ببساطة خليط متنافر من مجموعات إسلامية متطرفة، طُعّمت بمجموعات إرهابية عابرة للقارات، ويجمع بينهم جميعاً ارتباطهم بمراكز صنع قرار إقليمية ستتضرر مصالحها المالية والسياسية والاقتصادية في حال انتهت الأزمة السورية بسرعة، وقد يُقضى عليها كنتيجة لحل الأزمة، لذلك فإن من مصلحتها إطالتها إلى أجل غير مسمى.

ثانياً، إن الأزمة السورية بدأت تشكل المنعطف الرابع في تطور الفكر الإقصائي الذي تعتنقه التنظيمات الإرهابية.. فبعد المنعطف السعودي الوهابي، والمنعطف الأفغاني القاعدي، والمنعطف العراقي وتطور الإرهاب العابر للحدود، قرعت الأزمة السورية جرس الإنذار مُنبّهة نوعاً جديداً من الإرهابيين، بدأ يتشّكل معتنقاً أفكاراً ومبادئ لا تمت للإنسانية والعالم المتحضر بصلة. مواجهة هذا الفكر تقتضي أن يتوحّد الجميع لمحاربته فكرياً أولاً، ثم عسكرياً، لأن السماح له بالتغلغل والتمكّن في مجتمعاتنا سيكون له الأثر المدمر على أمن وأمان بلادنا والعالم.

هذا الإرهاب التكفيري هو التحدي المركزي الذي يواجه الحكومة السورية الآن، لما يمثله من قوة عسكرية نشطة وسلوك إرهابي يمكن أن يتشظى باتجاه دول المنطقة. وبالتالي فطريق الحوار ومد جسور التواصل مع الجماعات المسلحة من خارج فصائل التكفير الإرهابي، بهدف تهيئة الظروف المناسبة لعودة العسكريين الفارين، وإلقاء المزيد من المواطنين العاديين لأسلحتهم، هو هدف أساسي ومهم، وواجب وطني على الجميع تشجيعه ودعمه. وقد أسهمت مراسيم العفو التي صدرت والتسهيلات التي رافقتها في تهيئة المناخ الملائم لعودة كثيرين منهم إلى حضن الوطن، واستعدادهم للدفاع عن الوطن ضد هذه الهجمة الشرسة التي تستهدف سورية الفكرة والحضارة.

ومن هذا المنطلق فإن السعي باتجاه جنيف،2 لحل الأزمة السورية عبر الحلول السياسية، واستكمال الحوار الوطني السوري-السوري، يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع مكافحة الإرهاب الوافد إلى بلادنا. هذا التلازم لا بديل عنه لأنه يُمهد الأرضية المثلى لحشد جهود جميع أبناء الوطن الشرفاء ضد هذا الإرهاب التكفيري، الذي يُهدد وجودنا ونسيجنا الاجتماعي المتآلف، ويساعد كثيراً بالتعجيل في إنهاء الأزمة وفرض الاستقرار وحماية وحدة التراب السوري.

إن اتباع بعض أطياف (الائتلاف) مقولة كلاوزفيتز (الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى)، هو إعلان استباقي لنصر لن يتحقق، وتناسى هؤلاء أن ما يتفاوضون عليه هو مصير الوطن ومستقبل أبنائه، وهذا وذاك لا يمكن أن يكونا أبداً موضوعاً لمساومات وسقوف مرتفعة ومنخفضة. وإن ما قد يبدأ بمقولة كلاوزفيتز حول تلازم الحرب والسياسة، قد ينتهي بمفهوم لودندورف حول الحرب الشاملة التي ستدمر البلاد وتتركها قاعاً صفصفاً! إن حل الأزمة السورية لن يكون إلا سلمياً.. سياسياً، عبر الحوار الذي يلتقي فيه الجميع دون إقصاء أحد، إلا من قرر أن يخرج من تحت سقف الوطن إلى فضاء الإرهاب وسفك الدماء، للتوافق على ما فيه خير الجميع، وما يقرره هذا الحوار نرى استفتاء الشعب فيه، فالشعب هو مصدر جميع السلطات.

العدد 1140 - 22/01/2025