حقيقة الموقف الأمريكي من مؤتمر جنيف 2

أنهى مؤتمر جنيف ،2 جولته الأولى، وأظهرت جلسات المؤتمر، على مدى عشرة أيام، وكذلك اللقاءات الصحفية التي تزامنت معه، أو أعقبته، العديد من الحقائق التي أكدتها أيضاً وسائل الإعلام المختلفة (بغض النظر عن طريقة وصيغة طرحها).

وإذا كنا نتعرض هنا للموقف الأمريكي أساساً، فإنه لابد من الإشارة إلى عدد من المسائل، منها:

* هزالة وفد (المعارضة) الذي لم يضم أطيافها كافة، أو أغلبها على الأقل، بل اقتصر على قسم من الائتلاف، وليس على كل أطرافه (على علاته وملاحظاتنا حوله).

* إقرار هذا القسم (الصغير) الممثل ل(الائتلاف) بأنه لا يستطيع وغير قادر على إلزام الأطراف الأخرى (المعارضة) بالنتائج المحتملة للمؤتمر، وخاصة المجموعات التكفيرية – الجهادية المرتبطة بالقاعدة، وفق التصنيف الأمريكي و(الغربي)، التي ترفض المؤتمر من حيث المبدأ، واعترف بالمقابل أنه على اتصال معها، لكنه لا (يمون) عليها.

* برزت في المقابل المرونة المبدئية والاتزان اللذين صبغا خطاب الوفد الرسمي السوري ومداخلاته، وألبساه قوة ومصداقية، أمام المؤتمرين أولاً، والعالم ثانياً.

* أن الوفد الرسمي – الحكومي السوري وافق على بحث كل بنود وثيقة جنيف 1 الموقعة في حزيران ،2012 وبضمنها البند الثامن، الذي ينص على (هيئة حكم انتقالية) يتفق عليها الطرفان، وليس حكومة بصلاحيات واسعة تنتقص من صلاحيات الرئيس السوري المنتخب. وكانت سورية تحفظت على هذا البند، إنما وافق الوفد على بحث كل بنود الوثيقة وفق تسلسل بنودها، وفي مقدمتها وقف الإرهاب (استناداً إلى نص الوثيقة نفسها)، ووقف نزيف الدم السوري، بما يحفظ السيادة والاستقلال، وعدم التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية السورية.

تجدر الإشارة هنا إلى أن وثيقة جنيف الأولى صاغتها (مجموعة العمل من أجل سورية)، ولم تشارك سورية آنذاك في وضعها، إنما كانت تنسق مع روسيا والصين في هذا الإطار، وأن هذه الوثيقة لا تملك قوة قانونية، بل اكتسبتها في بنود قرار مجلس الأمن الدولي رقم ،2118 الذي تضمنت بنوده الأخرى مواضيع الحفاظ على السيادة والاستقرار في سورية، وتجفيف منابع الدعم للمجموعات الإرهابية التكفيرية – الجهادية، فضلاً عن أنها وقعت قبل أكثر من عام ونصف، في ظروف ميدانية وسياسية وإقليمية ودولية، اختلفت جوهرياً لصالح سورية.

ورغم هذه الملاحظات الأولية، فإنه لابد من التأكيد أن عقد المؤتمر، قد أظهر بوضوح حجم التدخل الأمريكي المنحاز لصالح قسم من (المعارضة) الخارجية المرتبطة، وإصرار واشنطن أو تجاهلها عن قصد، لاعتبارات أمريكية صرفة، مشاركة أوسع طيف من (المعارضات) السورية، على اختلاف توجهاتها ومواقفها، وهذا ما طالب به الوفد الرسمي الحكومي السوري.

فمنذ البداية، وبعد ساعات على توقيع وثيقة جنيف ،1 تنصلت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك هيلاري كلينتون منها، وأعطت تفسيرات مختلفة لها، وبخاصة البند الثامن، وهو ما وصفه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف آنذاك، ب(النفاق والازدواجية والكذب). وعلى الرغم من حاجة الإدارة الأمريكية الصرف إلى عقد مؤتمر جنيف ،2 بهدف الحفاظ على مصالحها أولاً، والخشية والخوف من تداعيات الأزمة السورية على بلدان الجوار السوري من جهة، ومن تبعات اتساع دائرة التطرف والتكفير، وصولاً إلى البلدان المنشغلة سلباً في الأزمة السورية منذ بداياتها من جهة أخرى، إضافة إلى تصريحات الكثير من المسؤولين الغربيين والأمريكيين حول مخاطر عدم الاستقرار في سورية على المنطقة برمتها أولاً، ومخاطر عودة المتطرفين الجهاديين إلى بلدانهم وتبعاته ثانياً، ومحاولة التخفيف، ما أمكنها ذلك، من المتغيرات الإيجابية الميدانية في سورية، أو الحد منها، ومن تجذر المواقف الدولية الإيجابية أيضاً، وخاصة بعد انفضاح (مشروع) الأزمة في سورية، لصالح حل هذه الأزمة سلمياً، ورفض التدخل الخارجي الإرادوي في الشؤون الداخلية السورية..

رغم كل ذلك فإن واشنطن (ماطلت) وأجّلت مراراً عديدة مواعيد عقد المؤتمر، ووافقت عليه أخيراً (اضطراراً أو إقراراً)، وأظهرت في الوقت نفسه حقيقة التعاطي الأمريكي مع هذا المؤتمر منذ بدء التحضير له، إلى بداياته، مروراً بالتدخلات المباشرة والفظة ل(المندوب السامي الأمريكي روبرت فورد)، ووجوده في الغرف الخلفية لقاعة المؤتمر (وفق تعبير المعارض السوري هيثم مناع)، وتوجيهاته الدائمة لما يسمى زوراً بوفد (المعارضة).

فقد تضمنت مداخلة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري تصعيداً مستغرباً، في اللغة الخطابية الأمريكية، انسجاماً وسياساتها التقليدية، ومراعاة لحلفائه وأدواتها، وشكلت بذلك مخالفة واضحة ووقحة لوثيقة جنيف الأولى والثانية، وما تضمنته أيضاً من عبارات استفزازية، رد عليها (دبلوماسياً) الوزير المعلم في مداخلة وفد سورية. كذلك محاولات الوفد الأمريكي إدارة المؤتمر، وفق الرؤية الأمريكية، التي اصطدمت بصلابة الموقف الروسي تجاه الانتقائية في التعاطي مع وثيقة جنيف، وتجاهل الإرهاب والتدخل الخارجي من جهة، والإصرار على التفسير الأمريكي للوثيقة، وبخاصة البند الثامن، الذي جرى تفنيده سورياً في مداخلة  المعلم: (سيد كيري.. لا أحد في العالم يستطيع أن يفرض على سورية، أو ينوب عن الشعب  السوري في تقرير من يقوده، وتحديد مصيره، سوى الشعب السوري وحده).

وإمعاناً في الانحياز الأمريكي، فقد قرر الكونغرس، خلال أعمال مؤتمر جنيف، مواصلة دعم (المعارضة) السورية بأسلحة (غير فتاكة)! وما يعنيه هذا القرار من مخالفة لوثيقتي جنيف، ومحاولة أمريكية ل( التشويش) على المؤتمر ونتائجه المفترضة ثانياً، ومن تخريب للجهود الإيجابية الآخذة بالاتساع مرة أخرى، حول حل الأزمة السورية عبر الحوار والحل السياسي ثالثاً.. فضلاً عن مغزى هذا القرار وتداعياته السلبية في ظل أجواء جنيف ،2 وما رافقه من تصريحات دولية عديدة (متوازنة) (ستصل هذه الأسلحة (غير الفتاكة) عاجلاً أو آجلاً إلى داعش والنصرة.. إلخ).

نشير هنا إلى أنه، وفقاً للدستور الأمريكي، يحق للرئيس باراك أوباما، كما غيره من الرؤساء الأمريكيين، استخدام حق الفيتو ضد قرار الكونغرس، وهذا ما لم يفعله أوباما بعد!

لقد أثبتت سنوات الأزمة السورية الثلاث، على مرارتها وكارثيتها وتداعياتها سورياً، وإقليمياً، وبخاصة دول الجوار السوري مؤخراً، لجهة اتساع رقعة التطرف الأصولي (لبنان، العراق، شمال الأردن، مناطق الحدود التركية.. إلخ)، فشلَ سياسة الإدارة الأمريكية الساعية، وفقاً لرؤيتها طبعاً، إلى (حلحلة) إشكاليات المنطقة، انسجاماً ومصالحها على الأقل.. وأظهرت أن حل الأزمة السورية لا يمكن أن يتم وفق الإيقاع الأمريكي المنحاز والفاشل، وأن دعم هذه الإدارة العملي والفعلي للإرهاب المنظم، مازال قائماً، وآخره قرار الكونغرس، والموقف (النظري) الاضطراري حول ضرورة مكافحته، وتصنيف مجموعات وعصابات إجرامية أساسية في قائمة الإرهاب، وهذا ما تؤكده التصريحات العديدة أيضاً الصادرة عن وزراء الخارجية والداخلية والعدل للعديد من الدول (الغربية) حول مكافحة الإرهاب، وصولاً إلى اتخاذ قرارات حكومية أو برلمانية بسحب الجنسية عن الإرهابيين الأوربيين المشاركين في الأزمة السورية.

لقد أظهر مؤتمر جنيف 2 حقيقة الموقف الأمريكي، وكيفية تعاطيه مع المؤتمر علناً ورسمياً، على مرأى ومسمع العالم أجمع، وهذا ما يكشف في العديد من جوانبه طبيعة (المعارضة) المشاركة في المؤتمر وماهية مرجعيتها المقررة أولاً وأخيراً.

بقي أن نشير إلى ثلاث مسائل هامة:

* الأولى: وتتعلق ب(التوازن) النسبي للمبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي، مقارنة بمواقفه السابقة فور تكليفه بمهمته، عندما أعلن أن (المؤتمر لم يحقق تقدماً حقيقياً، إلا أن هناك بعض الخطوات الإيجابية التي يمكننا البناء عليها، في حال وجدت الإرادة السياسية من أجل حل الأزمة). لكنه لم يحدد من المسؤول عن ذلك! وأنه (لمس لدى الطرفين قناعة بأن مستقبل سورية يحدده الشعب السوري وحده، دون أي تدخل أجنبي، أكان مباشراً أو غير مباشر).

* الثانية: وتتلخص في إعلان رئيس الوفد السوري وليد المعلم أن العودة إلى جنيف في العاشر من شباط وفق اقتراح الإبراهيمي، مرتبط بتوجيهات القيادة السورية، انسجاماً والموقف الوطني السوري، الذي أكد مراراً أن أي اتفاق- مفترض أو متوقع- في جنيف، سيعرض على الشعب السوري، بصفته صاحب القرار الأول والأخير في مصير سورية، وكيفية خروجها من أزمتها.

* الثالثة: وتتجلى في رفض الوفد السوري إجراء أي لقاء مع الوفد الأمريكي المايسترو ل(المعارضة) وغيرها من الأبواق، ما لم يعتذر كيري عن كلمته الاستفزازية، ولهذا مغزاه العميق ومدلولاته الهامة أيضاً.

 

العدد 1195 - 23/04/2026