المصالحة الوطنية مطلب شعبي ووطني

تعيش سورية منذ ثلاث سنوات أزمة طاحنة، هي واحدة من الأزمات الكبرى في العالم. أكد حزبنا أنها أزمة مركبة، معقدة، تتداخل فيها عوامل داخلية (سياسية – اجتماعية – اقتصادية)، تتفاعل مع عناصر خارجية (إقليمية – دولية).

لقد أشبعت الأزمة السورية شرحاً وتوصيفاً وتحليلاً، وأصبحت مركزاً لاهتمام العالم ومنظماته الدولية. وتميزت بتضاريسها المعقدة وتعدد دلالاتها وأهدافها والتخطيط لسقوط الدولة وتدمير سورية وتفتيتها، من قبل عشائر النفط والغاز وأسياد الأنظمة الثيوقراطية الرجعية. وهناك مخاطر جدية وأخطار تهدد مكوّنات المجتمع السوري، وخسائر اقتصادية كبيرة بلغت منذ بداية الأزمة عام 2011 حسب صحيفة (الأخبار) اللبنانية لغاية الربع الثاني من عام ،2013 ما يقارب 103 مليارات دولار، أي 174 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2010. وتراجع عدد السكان بحلول النصف الثاني من عام ،2013 بأكثر من 8 في المئة. وغادر 37 في المئة من السكان أماكن سكنهم. وأصبح 8,4 ملايين مواطن تحت خط الفقر. وارتفعت نسبة البطالة لتصل إلى 6,48 في المئة. ويستمر تهديد معيشة عشرة ملايين مواطن.

أمام هذا الواقع وما أفرزته الأزمة على المستويات كافة من نتائج سلبية طالت مختلف مناحي الحياة في البلاد، أصبحت المصالحة الوطنية ضرورة ملحة. ولم تكن التجربة الأولى في سورية، بل لعبت المصالحة دوراً بعودة السلم ووقف نزيف الدماء في تجارب دولية عدة، منها على سبيل المثال (تشيلي – عام ،1990 وجنوب إفريقيا- عام ،1994 وبولندا- عام ،1997 وسيراليون – عام 1999).

إن الأزمات، وإن كانت تتشابه في الأسباب، لكنها تتباين في النتائج، إلاَّ أن التوافقات الوطنية التي تستهدف تقريب وجهات النظر المختلفة، وسد الفجوات بين الأطراف المتحاربة، تنتهي في معظمها بتصحيح ما ترتب عنها من أخطاء وانتهاكات وجرائم جسيمة ومآسٍ، وإيجاد الحلول المقبولة في معالجة جميع الملفات والقضايا المختلف حولها، بمنهجية التهدئة وتحقيق السلم الأهلي والأمن، بدلاً من منهجية القتل والذبح على الهوية.

المصالحة الوطنية هي شكل من أشكال (العدالة الانتقالية) التي عرّفت بأنها: (مجموعة الأساليب والآليات التي يستخدمها مجتمع ما لتحقيق العدالة في فترة انتقالية). وتنشأ هذه الفترة غالباً بعد اندلاع الحرب والاقتتال، خاصة أن ما يجري في سورية له خصوصية، بأن الجماعات المسلحة المعتدية والمتورطة قد جاءت وافدة ومدعومة بالمال والسلاح من خارج سورية.

وتهدف المصالحة الوطنية إلى الوصول إلى حلول تؤدي إلى إيقاف النزاع والقتال، وتقريب وجهات النظر عن طريق الحوار لتذليل العقبات، انطلاقاً من الحفاظ على وحدة التراب الوطني، والقرار السيادي المستقل والدفاع عن الوطن ضد أي تدخل في الشؤون الداخلية أو أي عدوان خارجي.

وتتطلب المصالحة الوطنية الابتعاد عن العمل الفردي (الأحادي)، والانطلاق من المصلحة الوطنية العليا، ومشاركة القوى الفاعلة في المجتمع (الأحزاب الوطنية الديمقراطية التقدمية والشخصيات المستقلة والمستنيرة ومنظمات المجتمع الأهلي والمدني)، التي تعبر عن تطلعات الشعب السوري.. والوصول إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، وعقد مؤتمر وطني ينتج عنه ميثاق وطني يرسم مستقبل سورية السياسي ويحدد نهجها الاقتصادي.

إن ما يجري في مناطق عدة في سورية من مصالحات، حققت أموراً عدة منها: وقف نزيف الدماء والقتال، وعزل التكفيريين و(الجهاديين) الغرباء القادمين من عشرات الدول، وإعادة السلام والأمن إلى المناطق المتوترة بشكل مقبول، وعودة المهجرين والنازحين إلى بيوتهم.. والمغرر بهم ومن الذين عاشوا فترة بوهم الانتصار على الدولة عادوا أيضاً إلى الصواب والرشد.

إن طريق المصالحة الوطنية هو أقصر بكثير من الطريق إلى جنيف، من أجل الخروج من الأزمة السورية، وتوفير الكثير من معاناة السفر.. وتشكل المصالحة دعماً آخر مضافاً إلى دعم دول وقوى إقليمية ودولية مساندة، تقف إلى جانب شعبنا ضد التكفيريين والإرهابيين، وتعمل من أجل تبديد الفكر الظلامي وهزيمة الداعمين للإرهاب والمجاميع المسلحة.

العدد 1140 - 22/01/2025