الاقتصاد السوري وحالة الركود… ينبغي كسر الحلقة المغلقة
في حالات الركود الاقتصادي التي واجهت العديد من الدول الرأسمالية، لجأت هذه الدول إلى وسائل متعددة لتنشيط الدورة الاقتصادية، أسوأ هذه الوسائل اتبعتها الإمبريالية الأمريكية إبان الانهيار الكبير عام ،1929 عندما نشطت الصناعات الحربية التي لا تكدس البضائع في مخازن الأسواق وتؤدي إلى زيادة العرض، وفي الوقت ذاته ترفد السوق بكتلة أجور العاملين في هذه الصناعات، التي أدت شيئاً فشيئاً إلى زيادة الطلب وتحفيز الصناعات التحويلية. هذه السياسات ساهمت بعد ذلك لسنوات في التمهيد لنشوب الحرب العالمية الثانية.
أما الوسائل الأخرى للخروج من حالة الركود، فتمركزت على تنشيط الطلب على السلع والاستهلاك، وتسهيل منح القروض الصغيرة، وزيادة كتلة الأجور لتحفيز الإنتاج، وعودة المصانع إلى خلق فرص عمل جديدة يستفيد منها العاطلون عن العمل.
في الأزمة الاقتصادية التي تمر بها سورية الأمر مختلف، فأسبابها ليست اقتصادية بحتة، وإن كان للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي اتبعتها الحكومات في العقد الماضي دوراً في استفحالها، فالمسألة هنا هي انعكاس الأزمة السياسية الوطنية على الاقتصاد السوري، وتدخّل أطراف خارجية في تحويل هذه الأزمة السياسية إلى حرب شرسة ضد الدولة السورية، أخذت طابعاً إرهابياً سعى إلى تدمير قطاعات الإنتاج والبنية التحتية، وساعد في تصعيد حالة الركود الحصار الجائر الذي فرضه التحالف الدولي الخليجي بزعامة الإمبريالية الأمريكية، الذي أدى، إضافة إلى الأعمال الإرهابية، إلى حالة ركود اقتصادي وتأزم اجتماعي لا تنفع معه وصفات اقتصادية، إذا لم تترافق بحلول سياسية تؤسس لتدخل اقتصادي فاعل.
انتظار الآتي، وعدم المبادرة إلى حلول جزئية، مرحلية، يعني استمرار الركود، ويفاقم انعكاساته الاجتماعية على الفئات الفقيرة والمتوسطة، التي لم يبق لديها ما تواجه به الصعوبات المعيشية وارتفاع الأسعار، وأدى ذلك إلى تزايد غضب الجماهير الشعبية، لامن استمرار نزيف الدماء والتهجير القسري فحسب، بل من عجز الحكومة عن إيجاد حلول جدية لمعاناتها المعيشية والاجتماعية، وبروز حزمة من أثرياء الحرب والمحتكرين والفاسدين الذين ارتبطت مصالحهم باستمرار الأزمة السورية. فلم تعد ممارسات هؤلاء تصب في خانة اصطياد فرصة هنا وفرصة هناك، بل أمست نهجاً منظماً، يساند من يسعى إلى أخذ سورية من الداخل، من باب الاقتصاد والاستهلاك والأسواق، وذلك بعد أن عجزوا عن أخذها من الخارج، عن طريق التدخل العسكري المباشر، فراح هؤلاء يضاربون بأسعار القطع الأجنبي، وتحولت بيوت هؤلاء ومكاتبهم إلى بورصات لبيع الدولار وشرائه، مستغلين اضطراب السياسة النقدية للحكومة.
لقد كتبنا على صفحات (النور) أن إغضاب الجماهير في البلدان المعادية للإمبريالية والصهيونية، كان وسيبقى هدفاً تسعى إليه الرأسمالية العالمية وشركاؤها في الداخل، تمهيداً لإزاحة أنظمتها السياسية الوطنية.. لكن آذان البعض ممن سهّل وساعد- وما زال يساعد ويسهل عن قصد أو دون قصد- في فرض اقتصاد السوق الحر على شعبنا، كانت من طين!
المطلوب الآن كسر الحلقة المغلقة عن طريق تنشيط المعامل الصغيرة والمشاغل والورش في المناطق الآمنة وتسهيل منحها القروض من المصارف العامة والخاصة ، ودعمها في تأمين مستلزمات الإنتاج، ورفع الطاقة الإنتاجية لمصانع القطاع العام، وهذا يمثل الشق الأول من المعالجات المرحلية، أما الشق الثاني فهو جسر الهوة بين الدخل.. الأجور، وتكاليف المعيشة، والأمر هنا محصور بإجراءات محددة يمكن تطبيقها حسب الوضع الراهن، ومنها:
1 – خفض أسعار السلع والمواد الأساسية لمعيشة المواطن، التي ارتفعت بين عامي 2011و2013 بنسبة بلغ متوسطها نحو 250%، وهو أمر صعب في ظل تشريعات لا تسمح للحكومة بالتدخل الفاعل في الأسواق، وارتفاع أسعار القطع الأجنبي، وتدني إيرادات الخزينة، وتراجع قدرتها على تحمّل أعباء الدعم الحكومي للأسعار، وسيطرة القطاع الخاص على التجارة الخارجية، وممارسات أثرياء الحروب والأزمات، .فلولا ضعف القطاع العام الصناعي والتسويقي الذي هُمش تطويره وتخليصه من الفساد في العقد الماضي، لما استطاع بضعة تجار وسماسرة، التحكم بأسعار السلع الضرورية لحياة المواطن السوري، في وقت تحاصر فيه الدول الإمبريالية وقوى العدوان وطننا واقتصادنا .
ولولا القوانين والإجراءات المحابية لفئات التجار والسماسرة ورجال أعمال (الغفلة)، التي حرّض على سَنّها.. واتخذها مروجو وصفات الليبرالية الاقتصادية الجديدة ونصائحها، لما حُجّمت مؤسسات التجارة الخارجية الحكومية، وغاب تأثيرها في هذا الزمن الصعب، وهي التي أدت في الماضي دوراً أساسياً في استيراد السلع الأساسية، وأمّنت وصولها إلى المواطنين بأسعار مناسبة ومدروسة، ولولا تقليص تدخل الدولة في العملية الإنتاجية، وفي تكوين منظومة الأسعار، وتحديد الحد الأقصى للأرباح، لما (تفرعن) بضعة تجار وألهبوا الأسواق، لتحرق ما تبقى من قدرات المواطن المغلوب على أمره.
إن اللجوء إلى هذا الإجراء يتطلب نسف التشريعات التي تعيق الدولة من التدخل الإيجابي الفاعل في الحياة الاقتصادية، ووضع قوانين جديدة، واستخدام أدوات الحكومة الاقتصادية وفي مقدمتها القطاع العام الصناعي، وإعادة النظر بالتشريعات الضريبية، وزيادة الإيرادات العامة، ووضع حد للفساد وسرقة المال العام.
القطاع العام يعاني مصاعب مالية..وإدارية ..وتقنية، أدت إلى انخفاض مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي من 44% في عام ،2004 إلى نحو 32% في عام ،2009 وقد طالبنا..وطالب غيرنا أيضاً بضرورة ضخ استثمارات جديدة في مؤسساته وشركاته ومصانعه، وإصلاح هياكله الإدارية، وتخليصه من الفساد، واعتماد خطة عاجلة لتجديد وسائله الإنتاجية، كي يساهم بدور أساسي وفاعل في العملية الاقتصادية، إلى جانب القطاع الخاص، وكي يرفد الخزينة بفوائض كبيرة تسد العجز الذي تعانيه.هذا الإجراء هو حجر الزاوية في إنهاء حالة الركود، لكنه يحتاج إلى نية صادقة..وتحرك سريع، وهو أمر لاتدل المؤشرات على توفرهما حتى الساعة.
2 – إن نمو القطاعات الإنتاجية والخدمية مرتبط بتحسن القدرة الشرائية للمواطن، لذلك يعد وضع سياسة صحيحة للأجور تتناسب مع المستوى العام للأسعار، شرطاً أساسياً لزيادة القوة الشرائية لكتلة شعبية كبرى، قادرة على تحريك الأسواق.لقد تقلصت القدرة الشرائية للأجور بين عامي 2010و2013 بنسبة تجاوزت 70%، بعد الارتفاعات المستمرة لأسعار جميع السلع والخدمات.قد يتخوف البعض من زيادة الأجور في ظل تراجع العرض، بعد النكسات التي أصابت القطاعات الصناعية بتأثير الأزمة، إذ تؤدي هذه الزيادة إلى ارتفاع نسبة لتضخم، وزيادة تكاليف الإنتاج في مرحلة صعبة، إضافة إلى تقلص الإيرادات الحكومية وصعوبة تأمين موارد لزيادة الأجور.إن اللجوء إلى زيادة الأجور ممكن حسب اعتقادنا بعد تحريك عجلة الإنتاج في جميع القطاعات الإنتاجية العامة والخاصة، وزيادة عرض المنتجات في الأسواق، ونمو إيرادات الدولة.
3 – تشجيع المصارف على منح القروض المحدودة للصناعيين، وأصحاب المشاريع الصغيرة في المناطق الآمنة، التي تعتمد على التكنولوجيا المتوسطة واليد العاملة، ولذوي الدخل المحدود، ولو تطلب الأمر تدخل الحكومة في زيادة سيولة هذه المصارف عن طريق منحها القروض، ومساعدتها في تحصيل ديونها من كبار المقترضين الذين اقترضوا بهذه الطريقة أو تلك مبالغ كبيرة، وتوقفوا عن السداد، أو سافروا إلى الخارج، ومحاسبة المسؤولين عن إقراض هؤلاء دون تقديم الضمانات الكافية.
4 – تعميم مراكز التسويق الحكومية، ومنح المؤسسات الاستهلاكية تسهيلات لإقامة مراكز تسويق في المدن والبلدات، وإعفاء مؤسسات التسويق الحكومي من جميع الضرائب والرسوم، والعودة إلى تكليف مؤسسة التجارة الخارجية باستيراد السلع الأساسية، إذ لامبرر لإبقاء عملية الاستيراد محصورة بالقطاع الخاص.
إنها حزمة حلول جزئية.. مرحلية، لكنها ضرورية لتنشيط دورة الاقتصاد الوطني، بانتظار الحل السلمي للأزمة السورية التي تُعد اليوم أبرز تعقيدات القرن الجديد، وأخطر ما واجهه شعبنا عبر تاريخه.