أين أنتَ يا سبينوزا؟

نحن الآن في عام 1677 وفيلسوفنا المقيم في ضواحي أمستردام في هولندا (باروخ سبينوزا) في الرابعة والأربعين من عمره،وقد نخر مرض السل رئتيه،وبدأ يشعر بأن النهاية باتت قريبة،وقد أعدّ نفسه لهذه النهاية المبكرة،ولم يخَفْ إلا على أبدع ما ألَّفه وهو كتاب (الأخلاق) الذي لم يجرؤ على نشره في حياته لئلا يضيع أو يتلف بعد موته. لقد وضع الكتاب في درج مكتب صغير وقفل عليه وأعطى المفتاح لصاحب المنزل،وطلب  منه أن يرسل المكتب والمفتاح إلى الناشر في أمستردام بعد موته. ومما يؤسف له أن سبينوزا كان يكتب (الرسالة السياسية) حين اختطفه الموت قبل أن يُتمّ كتابتها. وقد جاءت مليئة بالأفكار على الرغم من قصرها. ولا يسع المرء إلا أن يشعر بالخسارة الجسيمة بانتهاء حياة هذا الفيلسوف في البرهة التي بلغ فيها أوج نضوجه الفكري. ما الذي قاله في هذه الرسالة السياسية؟

الدولة والحرية

يؤكد سبينوزا أن  الغاية الأخيرة من الدولة ليست التسلّط على الناس أو كبحهم بالخوف، ولكن الغاية منها تحرير كل إنسان من الخوف كي يعيش ويعمل في جوٍّ من الطمأنينة والأمن في ظل سلم اجتماعي عام. ويقول: إنني أكرر القول بأن الغاية من الدولة ليست تحويل الناس إلى وحوش آدمية، ولكن الغاية منها تمكين مواطنيها من عيش  حياة تسودها حرية الفكر والعقل والوجدان. إن هدف الدولة الأول والأخير هو الحرية.  نعم حرية الشعب بالمقام الأول،لأن عملها في الأساس هو ترقية النمو والتطور الحر لجميع أفراد الشعب.

ولكن ماذا يفعل الناس لو كبتت القوانين التي تضعها الدولة نموّهم وخنقت حريتهم؟ وماذا يفعل الناس لو اتجهت تلك الدولة بنظامها الحاكم إلى إيثار مصلحة الطبقة الحاكمة والتسلط على الشعب واستغلاله،وسعى الحكام إلى الاستئثار بالمناصب والكراسي وعدم إفساح المجال لغيرهم للوصول إلى الحكم؟  يُجيب سبينوزا عن هذه الأسئلة بوجوب احترام القوانين حتى ولو كانت جائرة وظالمة، ما دامت الدولة لا تمنع الناس من حرية الكلام والاحتجاج للوصول إلى تغيير الأوضاع  بالوسائل السلمية. إذ إن حرية الكلام والاحتجاج  والنقد ستؤدي في النهاية إلى تغيير الأوضاع الفاسدة. ويُضيف: إن القوانين التي تُقيد حرية الكلام والفكر والاحتجاج تهدم جميع القوانين في الدولة. لأن الناس لن يلبثوا زمناً على احترامهم للقوانين التي لا يجوز لهم نقدها.

حرية الكلمة والتعبير

وكلما زادت الدولة من مكافحة حرية الكلام زاد الشعب عناداً في مقاومتها. لن يتصدى لمقاومة هذه القوانين أصحاب الشره والطمع من رجال المال،بل أولئك الذين تدفعهم ثقافتهم وأخلاقهم ووجدانهم وفضائلهم وكرامتهم إلى اعتناق الحرية. فقد جُبِلَ الناس بوجه عام على ألا يطيقوا كبت آرائهم التي يعتقدون بأنها حق وألاّ يصبروا على محاربتها واعتبارها جرائم ضد القانون. وعندئذ لا يعتبر الناس أن مقت القوانين والإمساك عن مقاومة الدولة عار وخزي بل شرف عظيم. لأننا لو جعلنا أعمال الناس وحدها أساس المقاضاة والمرافعة وتدخّل القانون،وأطلقنا الحرية للكلام والنقد،لكنا بذلك جردنا الاحتجاج الشعبي من جميع مبرراته ومسوغاته. فكلما قلَّتْ رقابة الدولة على الفكر ازداد المواطن والدولة صلاحاً.

وبينما نجد سبينوزا يعترف بضرورة الحاجة إلى الدولة فهو لا يثق بها. ويعرف أن الحكم مفسدة ويفسد حتى الصالحين. ولا ينظر بعين الراحة إلى امتداد سلطة الدولة من أجسام الناس وأعمالهم إلى نفوسهم وأفكارهم، لأن هذا يؤدي إلى توقف نمو الجماعة وموتها. وهكذا فهو يعارض سيطرة الدولة على التعليم. وخصوصاً في الجامعات. فيقول: إن المؤسسة العلمية العامة التي تُنفق عليها الدولة لا تستهدف تنمية إمكانيات الناس الطبيعية بل تُقييدها وتحدُّ من حريتها. قد نتفق مع سبينوزا في هذا الرأي أو نختلف ،ولكنه يؤكد من جهة أخرى: حين ينال الناس حريتهم فلن يُضيرهم أي نوع من أنواع الدول تتولى أمورهم. ويميل سبينوزا إلى تفضيل الدولة الديمقراطية لأنه يُعارض وضع السلطة كلها في يد رجل واحد.

حكم الفرد

يظن عامة الخَلق أن وضع السلطة في يد رجل واحد يؤدي إلى السلم الاجتماعي وتوطيد الأمن وتوحيد الصفوف في الدولة. ولكن القضية ليست على هذه الصورة، إذ لا نجد دولة بين الدول لبثت أمداً طويلاً ولم تتعرض لحوادث وتغييرات مهمة تعكر صفو الاستقرار الاجتماعي والأمن كالدولة التي يحكمها رجل واحد. وإذا كانت العبودية والخضوع لأمر رجل واحد يعني سلاماً فليس أتعس للناس من هذا السلام. ولا شك أن النزاع بين الآباء والأبناء أشد وأكثر من النزاع بين السادة والعبيد. ومع ذلك فليس في صالح الأسرة أن يتحول حق الأب في إدارتها وتوجيهها إلى امتلاكها ومعاملة  أولاده معاملة العبيد. ومن هذا يتضح لنا أن وضع السلطة كلها في يد رجل واحد يؤدي إلى العبودية لا إلى الحرية والسلام.

غرفة على السطح

من يعلم أي ضوء من العبقرية كان سيلقيه سبينوزا على السياسة الحديثة لو طالت حياته وفرغ من كتابة هذه الرسالة السياسية؟ وحتى هذه الرسالة السياسية التي وصلت إلى أيدينا لم تكن سوى المسودة الأولى لأفكاره، فقد اختطفه الموت عندما كان يكتب فصلاً عن الديمقراطية. هذا ما أكده (وِل ديورانت) في  كتابه (قصة الفلسفة) عند الحديث عن  سبينوزا. وقد قال أحد حكماء العصر الحديث: لو كان نابليون ذكياً وفطناً كما كان سبينوزا لكان آثر أن يعيش في غرفة على السطح مثله، وكتب أربعة كتب.

العدد 1195 - 23/04/2026