حصاركم يحفزنا على الأمل
تُعتبر الحياة الثقافية أحد جوانب الحياة المختلفة والمتنوعة، ولأنَّ الحصار المفروض على بلادنا منذ اندلاع الأزمة القاتلة، قد طال كل تلك الأوجه فإنه أيضاً طال الحياة الثقافية بأوجهها المتعددة، فالعديد من الفعاليات الثقافية لم يعد بالإمكان القيام بها داخل البلاد، أو المشاركة فيها خارجها، وكمثالٍ على ذلك معرض الكتاب الدولي السنوي الذي كان يقام كل عام، فتشارك فيه دور النشر والدوريات المختلفة من هنا وهناك، ومثله ما كان يقام خارجاً وكانت تشارك فيه دور النشر السورية في بلدانٍ أخرى… كما أن العديد من الدوريات والمجلات الثقافية أو العلمية أو الطبية اختفت من أسواقنا للسبب ذاته… أضف إلى ذلك أن هذا الحصار منع العديد من الفنانين على مختلف الصعد من العمل، مما ساهم في ابتعادهم وهجرتهم عن البلاد للبحث عن العمل ومواصلة العطاء، وبالتالي فإن المشهد الثقافي بات يعاني من غياب العديد من القائمين عليه…
إلاّ أنَّ نظرة متفحصةً للوضع الثقافي السوري تجعلنا نرى الأمور بشكلٍ آخر، فالعروض المسرحية بقيت متواصلة وإن توقفت لفترة، والسبب هنا لم يكن هو الحصار، بل الحالة النفسية والشعورية للفنان السوري المتفاعل مع ما يجري من أحداث على أرضه، أضف إلى ذلك أن الحياة الدرامية والأعمال التلفزيونية أو السينمائية لا تزال تحظى بالصدارة في محطات التلفزة العربية، أيضاً الحفلات الموسيقية والأمسيات الثقافية المتنوعة الأشكال من شعر وقصة وغيرها، لا تزال مستمرة، وبتواتر متزايد في الفترة الأخيرة، والسبب في ذلك هو رغبة الإنسان السوري في مواصلة الحياة ومقاومة الموت، ومحاولة من تبقى في الداخل إيصال فكرة أساسية ألا وهي أننا قادرون بالرغم من كل التحديات على الاستمرار والإحساس بنبض الحياة، والوقوف كلٌ بطريقته بجانب المتألمين والمقهورين…. وإيصال رأيه بشكلٍ أو بآخر مما يجري، وكأن لسان حالهم يقول بأننا لن نسمح لذاك الحصار بوأدنا ومنعنا عن العيش والأمل… وأكبر دليل على ذلك هو الفضاء الشاسع الذي يمنحنا إياه النت والعالم الافتراضي، إذ لم يعد أي شيء بعيداً أو محاصراً، وبنقرةٍ واحدة يمكننا الوصول إلى كل ما هو ممنوع من الوصول إلينا بشكلٍ حسي ملموس، فالدوريات الممنوعة من الدخول بحكم الحصار، موجودة على النت وبالتالي فإن الوصول إليها صار أسهل، أولاً لأننا نصل إلى مبتغانا ونحن في بيوتنا، وثانياً لأن هذه الطريقة تعفينا من مصاريف مالية إضافية في ظل الوضع الاقتصادي المرعب الذي وصلنا إليه، وهذا الأمر ينطبق على الحفلات الموسيقية والغنائية والمعارض وغيرها، فكل ما تريد موجود على مواقع التواصل بمختلف أشكالها، وهذا الأمر باعتقادي ذو تأثيرٍ إيجابي، وشكّل دافعاً وحافزاً إضافياً للسوريين على المضي في دروب الأمل، وإثبات أن لا شيء يمكنه أن يقف بوجه الإنسان إن أراد أن يفعل أو يصل إلى شيء… فكما لكل فعل رد فعل، كذلك كان الحصار الذي فرض علينا لخنقنا وقتلنا في مكاننا، فتحوّل إلى دافعٍ إضافي للتحدي ومواصلة الحياة….