من أين يستقي أطفالنا ثقافتهم؟

 يعرّف الباحثون الثقافة على أنها أسلوب الحياة السائد في أي مجتمع بشري، والثقافة تختلف عن التعليم، لأنها لا تتأتى للإنسان فرضاً أو قسراً وإنما فقط إذا أراد الإنسان ذلك، فجميعنا يمكن أن نكون متعلمين، ولكن ليس من الممكن أن نكون مثقفين إلا إذا أردنا نحن ذلك، ويمكن أن تشمل الثقافة المعارف والمهارات والفنون والأخلاق والمعتقدات والأفكار التقاليد السائدة في مجتمع من المجتمعات.

أما الطفل فهو تلك الصفحة البيضاء التي ننقش عليها ما نريد، عجينة طرية نشكّلها كيف نشاء، الطفل روح طموحة ونفس حالمة لا ترضى إلا بمعرفة الشيء الكثير عن هذه الحياة، وإن مرحلة الطفولة من أهم مراحل حياة الإنسان على الإطلاق، والمجتمعات المتطورة عرفت أهمية هذه المرحلة وخطورتها فأولتها اهتماما خاصاً ذلك لأن ثقافة الطفل وتربيته جزء من ثقافة المجتمع ككل، والراعي الأساسي لثقافة الطفل هما الأبوان بالدرجة الأولى، فكلما تمتعا بثقافة عالية، نشأ الأطفال في بيئة تربوية سليمة.

ونظراً لما تتسم به هذه المرحلة من خصائص وسمات تجعلها تنفرد عن بقية مراحل حياة الإنسان فقد قسمت إلى مراحل عمرية متتالية ولكل مرحلة منها ثقافة خاصة تلبي احتياجات الطفل في تلك المرحلة. ولكن السؤال الذي يطرح هنا: من أين يستمد الطفل هذه الثقافة؟

إن مصادر ثقافة الطفل متعددة ومتنوعة لعل أهمها:

-الأسرة: وهي اللبنة الأولى في بناء المجتمع ويستمد الطفل منها الكثير من السلوكيات والمهارات والقيم والعادات، وبالتأكيد فإنه كلما ارتفع المستوى التعليمي والثقافي للأسرة أثر ذلك بشكل إيجابي ومباشر على تربية الطفل وتنشئته، فاقتناء الأسرة للكتب والمجلات ومشاركتها في الندوات والفعاليات الثقافية والتحاور فيما بعد بين أفراد الأسرة حول مضمونها لا يمكن أن يجعل الطفل إلا محباً للاطلاع والعلم والثقافة.

– المدرسة: دور المدرسة لا يقل في أهميته عن دور الأسرة فالأسرة والمدرسة مكملان إحداهما للأخرى في تربية الطفل وتثقيفه، فعن طريق المدرسة يكتسب الطفل عادات ومهارات وقيماً تجعله مؤهلاً للانخراط في المجتمع ويسعى نحو تحسين واقعه وحل مشكلات مجتمعه.

-جماعة الأقران: وتعتبر المرجعية الأولى للطفل، فمنها يتشرب معظم عاداته وسلوكياته وتصرفاته التي تبقى معه طوال حياته سواء السلبية منها أم الإيجابية، ومن هنا تأتي أهمية اختيار الأقران وانتقائهم وتقع مسؤوليتها على الأبوين بالدرجة الأولى، لأنه بانتقائهما الجيد لهذه الجماعة يكونان قد وضعا الطفل في بداية الطريق الصحيح في تنشئته ونموه.

ولكن في وقتنا الحاضر، وفي عصر تكنولوجيا المعلومات والثورة المعرفية الهائلة التي تغزو مجتمعاتنا، وفي ظل هذا الكم الهائل من المعلومات التي تجتاح بيوتنا دونما استئذان إما عن طريق الشبكة العنكبوتية أو عن طريق التلفاز أو غيره من وسائل التكنولوجيا الحديثة لا بد أن نتوقف لحظة لنسأل أنفسنا: هل هذه المعارف والقيم والثقافات تناسب مجتمعنا؟ هل كل هذه المعلومات المقدمة من قبل هذه الوسائل صحيحة وسليمة ويمكن اعتمادها؟

ألا يمكن أن يأتي يوم ونسأل أطفالنا: من أين لك هذا؟ أي من أين جئت بهذه المعلومات والمعارف التي ربما تخالف عاداتنا وقيمنا وتقاليدنا؟ وخاصة أن أطفالنا قد ينجرفون مع تلك القيم الوافدة لعدم قدرتهم على التمييز بين الجيد والرديء منها، أو لعدم معرفتهم بمصادر المعلومات المقدمة إليهم ليتمكنوا من التأكد من صحتها وسلامتها.

فما دورنا نحن كتربويين أمام هذا الانفتاح الثقافي والعلمي والمعرفي؟ خاصة أن الحياة تزداد تعقيداً يوماً تلو الآخر، ولا بد لنا أن نكسب الطفل القدرة على مواجهة هذه التعقيدات من حوله ليتلاءم نفسياً واجتماعياً وأخلاقياً وثقافياً مع المجتمع من حوله.

إن دورنا يكمن في توعية الأطفال بمخاطر هذه التقنيات وبمحاسنها أيضاً ليتمكنوا من استخدامها على الوجه الأمثل، فلا نستطيع مثلاً إغلاق أجهزة الحاسوب أو الأجهزة الالكترونية وركنها جانباً وإنما نعلمهم طريقة الاستخدام الصحيح لها، فمثلاً يمكن أن نعرض لهم أفلاماً تربوية وثقافية وتعليمية وفنية عن طريق الأقراص المدمجة وكلنا يعلم أننا نستطيع أن نعلم الطفل عن طريق هذه التقنيات تماماً ما يمكن تعلمه عن طريق الورقة المطبوعة، فننمي عنده موهبة الإبداع والتفكير والتقصي، فالتعليم التقليدي وحده لا يكفي حسب ما جاء في دراسة لمنظمة اليونسكو بعنوان (التعليم، ذلك الكنز المكنون) وتضمنت:

تعلم لتعرف- تعلم لتعمل- تعلم لتكون- تعلم لتشارك الآخرين.

فإكساب الطفل مهارة التعلم الذاتي باستخدام مصادر المعلومات المختلفة والبحث في الشبكة العنكبوتية تحت رقابتنا مسؤولية تقع على عاتقنا كتربويين ليستطيع الطفل توظيف معارفه ومهاراته في حياته العلمية والعملية.

وقد أولت مناهجنا التربوية الحديثة اهتماماً بذلك ففي أي موضوع جديد يتعلمه الطفل يطلب منه (البحث أكثر) في مصادر أخرى عن معلومات حول هذا الموضوع وعرض النتائج أمام زملائه في الغرفة الصفية مع ذكر المصدر الذي استخدمه للحصول على تلك المعلومات. فهنا لم نحصل على طفل مثقف فقط، وإنما حصلنا على جيل مبدع وباحث يوظف ما تعلمه في مواجهة مصاعب الحياة.

ولكن في ظل ما تواجهه سورية اليوم، وبدخول الأزمة عامها السادس، نلاحظ أن أجواء الحرب تركت آثاراً سلبية نفسية واجتماعية وصحية على أطفالنا الذين سرقت الحرب البراءة والطفولة من عيونهم.

فمشاهد العنف التي يرونها كل يوم أمامهم أو على شاشات التلفزة أثرت بشكل سلبي على عقولهم وأفكارهم، تأثيراً لا يمكن للأيام القادمة أن تمحوه، إضافة إلى أن شعور الطفل الدائم بالخوف وعدم الأمان يقف حائلاً أمام إكسابه السلوكيات والمعارف والقيم والمهارات التي كان يجب عليه اكتسابها في هذه المرحلة الهامة، إما من أسرته المشردة أو من رفاقه الذين فرقتهم الحرب أو من مدرسته التي تسرب منها. فأطفال سورية اليوم لا يشغل بالهم إلا ما يشغل بال آبائهم، متى تنتهي هذه الحرب ويعودون إلى دفء منازلهم ويعيشون بطمأنينة وأمان؟

عندئذ فقط سوف يتغلبون على الظروف المريرة التي مرت بهم وسيتمكنون من مزاولة حياتهم الاعتيادية وسيكوّنون بأحلامهم وطموحاتهم جيلاً مثقفاً وواعياً يساهم في إعمار وطنه وحمايته وبنائه.

العدد 1183 - 23/01/2026