عاهرة دون ذنب!

(ثمة امتهان لوظائف فريدة من نوعها تُحقق ربحاً أكبر ومتعة أكثر وجهداً أقلّ).. هذه الجملة بالذات هي ما تُقنع بعض الفتيات باختيار تلك المهنة، لتُستخدم سلاحاً آخر لا يحتاج إلى شهادة ولا يحتاج إلى عقل.. بل كل ما في الأمر: قليل من الماكياج، وجلسة (ميم) نازعة للشعر الزائد في الجسم، قبل كلّ (إنترفيو)!

تروح ومحفظتها جوفاء، وترجع بها محشوّة بممهدات الرفاهية.!

تلك المهنة أغنت جيوبهنّ،عندما أُغلقت وتُغلق غالباً أبواب العمل الشريف في الوجوه، وتتقاعد الكرامة لتُجبر البعض على العمل وفق قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات)!

لكن السؤال: ما عظمة تلك الضرورة التي تُبيح التجارة بالجسد الأنثوي؟

تلك تجارة من نوع آخر!.

أضواء كثيرة وصخبٌ عالٍ وضجّة تُجبر الخصر على التمايل، هناك الواجهة المغرية تنادي أصحاب الجيوب المنتفخة لاقتحام ذاك العالم المختلف عن الخارج، فلحظة ما تطأ قدمه باب الدخول يسقط في تلك الهاوية المرسومة تحت قدمي أليس في بلاد العجائب!…ها هو ذا يتمحّص جيداً ويدقق في كلّ الانحناءات الجسدية المعروضة أمامه، يختار- وكأنه في معرض للسيارات- الماكينة الأكثر جودة وقوّة!

وأخيراً تقع عيناه على إحداهنّ ليشاركها نخباً ما، ورقصة، ومن ثمّ دعوة..!

دعوة من نوع آخر، ليست لعشاء ولا نزهة ولا مجرد (تفتيلة) بالسيارة، إنها دعوة ناقلة لحيازة المال من دون سرقة.. من شهوته.. إلى جيبها، دعوة ستحوّل حزنها إلى بسمة بغضّ النظر عن تلك الخدوش التي ستصيب جسدها، لتنتهي الجلسة بعد ذلك، وإمّا أن تنام حاضنة ما اكتنزت، ناسية ما خسرت, وإمّا أن تُعيد الكرة ثانية بعد ساعات قليلة!

تلك المهنة صنعت من فتيات عذراوات بسيطات, أخريات ذوات خبرة صيادات للجيوب!

ما الذي قد يدفع الفتاة لكل ذاك البيع الجسدي لتضاريسها لقاء مبلغ باهظ؟

هل يكفي أن يكون السبب رغبتها في الحصول على الثروة فقط؟ أم أن ما خفي أعظم؟!

تُعتبر مهنة الدعارة من أقدم المهن عالمياً، ذلك أن كلّ دول العالم تحتوي عدداً كبيراً أو قليلاً من اللواتي مارسن هذه المهنة مهما كانت الدوافع والأسباب. لكن ليس من المعقول أن يكون الدافع هو فقط الحصول على المتعة، بل يُفترض أن يكون الهدف مادياً، أي (بيزنس)! مقايضة عادلة، فكلما استطاعت تلك (الأنثى) تفريغ نشوة ذاك الرجل المحتقن بالمال بشكل أكبر، زادت جرعة المال في محفظتها!

لكن حتى البيزنس ليس حالة مطلقة على كل البنات، بل تُلخّص جزءاً منهنّ دون الآخر فما حجّة الباقي إذاً؟!

ساهمت الحرب بإحداث نكبات كبيرة أودت ببيوت عائلات كثيرات، وهجّرت معظم الناس من منازلها، وضيّع الأولاد أهلهم، الذين نام الجوع والفقر معهم على الفراش نفسه! فما الحيلة بيد تلك الجميلة التي لا تقوى على عمل أي شيء، وهي تعرف كل المعرفة أنها مهما اشتغلت لن تنفذ من قبضة ذاك المشتهي الذي سيحاول اغتصابها لأنها الضعيفة في شريعة غاب ذكرية!

فهل اختارت أن تختصر الطريق وتدخله عن طيب خاطر؟ وتعمل بعد ذلك بمعادلة خسارة صغيرة وربح كبير؟!

لكن اللواتي يعملن بأجر ضئيل، فما الذي يجبرهن على تلك المقايضة الخاسرة؟

هل يكون السبب فقط ما استطاعت تلك (البترونة) تأمينه لهنّ من مأوى ولباس وقوت؟؟!

(البترونة) تمتهن تشغيل الفتيات بالدعارة، تأخذهن بنات بسيطات عذراوات تقلبهن رأساً على عقب، وتفتحهنّ فتحاً مبيناً على أنه فتح للمستقبل، لتأخذ على كل جلسة فراش واحدة مبلغاً يدور حول 2500 ليرة سورية لفتيات تتراوح أعمارهنّ بين 18 و40 سنة!

ما تلك الثروة التي ستجنيها تلك العاهرة من ذاك المبلغ الضئيل؟

هل تلك الفتيات بكامل عقلهنّ، أم أن هنالك ماساهم بتغييبه، كالحشيش والمسكرات وربما الحبوب المهلوسة؟

أم أنها نزوة فعلتها، وابتزاز صاحب الشأن لها جرّها على العمل خوفاً من الفضيحة؟

أو استغلال زوجها لغياب كرامته في تشغيلها درءاً للفقر وجمعاً للمال!؟..

كل تلك الأسباب قد تدفع الفتاة للعمل بالدعارة، لكن ما تلك الجرأة حتى أنها لا تخاف من الأمراض كالإيدز وغيره، ولا تخاف من الإجهاضات التي قد تُعقِم رحمها، وتودي بمستقبلها فقط لأنها أنثى مستضعفة في المجتمع، ليس شأنها إلاّ أنها خُلقت فتاة تحمل طابعاً بيولوجياً استثنائياً، يُحرّك غرائز الرجال، ويدفعهم لاستغلاله والحصول عليه بأي ثمن، لينقضّوا على ثروتها الأنثوية بحجّة تبديلها بثروة أثمن، ويسيّلوا دمها ذابحين شرفها مغتصبين كرامتها.. ويصنعوا منها عاهرة دون ذنب!

العدد 1140 - 22/01/2025