أقدم مهن التاريخ تُعلن طغيانها

منذ فجر التاريخ البشري، نشأت الدعارة كمهنة، ربما لصلتها الأساسية بالحياة الطبيعية للبشر، بمعنى أنها من أكثر المهن مردوداً مالياً دون الاضطرار لتأمين رأس المال، الذي لم يكن سوى الجسد البشري ذاته. ومع مرور الزمن، استمرت هذه المهنة بتقدّم ملحوظ وبأشكال أكثر تنوّعاً، مما اضطُر الدول والحكومات لشرعنتها بقوانين ونُظم تضبط المجتمع والمشتغلين بها على السواء.

ولأنها مهنة قائمة على استغلال الجسد البشري، فقدت غدت في كثير من مجتمعات اليوم تجارة رائجة ورابحة بامتياز، خاصة في زمن تسليع جسد المرأة واعتباره بضاعة تتمّ الاستفادة منه دون خسارات تُذكر، لاسيما أولئك الذين يُتاجرون بالنساء والفتيات زمن الحروب، إذ تنشط شبكات الدعارة الدولية في استغلال الأوضاع الإنسانية المأساوية للنساء الضحايا الأكثر تأثّراً بتلك الحروب، مثلما هنّ الأكثر استغلالاً من قبل أولئك التجّار( الحالة السورية نموذجاً).

إذاً، هي المهنة المرافقة أبداً وحتماً للحروب، ولتفشي الفقر والجوع والبطالة في كلّ المجتمعات على السواء. فالمرأة التي خسرت كل شيء، ووجدت نفسها فجأة وحيدة وعارية من كل إمكانية أمام مسؤوليات جسام لأعداد غير قليلة من أفراد أسرتها، تُضطر مُرغمة أمام هذا الواقع المُزري، لامتهان الدعارة من أجل تأمين الاحتياجات الدنيا لها ولأسرتها، في ظل الجوع والفقر والغلاء والبطالة.

واليوم، ونحن نواجه حرباً شرسة على كل المستويات، أدّت إلى خلل فظيع في مجمل المنظومات القيمية والأخلاقية والاجتماعية، لم يعد بالإمكان أمام ما ذكرناه أعلاه، أن نتخذ حكماً أخلاقياً راسخاً تجاه الدعارة المرتبطة بالبطالة والجوع، بل كل ما بوسعنا فعله، هو أن نراها واقعاً مفروضاً بقسوة الحرب والجوع، وما علينا سوى التعامل معها بكثير من التعمّق، في محاولة لإيجاد الحلول الكفيلة بإنقاذ النساء من براثنها، ومن ثمّ ترميم ما شوّهته في نفوسهن وإنسانيتهن.

العدد 1140 - 22/01/2025