مخاطر «داعش» وواجب مواجهتها

تظهر التطورات الميدانية الأخيرة، في سياق محاربة العصابات المسلحة الإرهابية، مدى المتغيرات السلبية الجارية في أطر هذه العصابات وتركيبتها وموازين القوى في صفوفها من جهة.. وتطرح من جهة ثانية أسئلة مشروعة حول أسباب هذه المتغيرات، المتلخصة في البروز القوي والمدعوم إقليمياً ودولياً لما يسمى عصابات الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على حساب حلفائها المفترضين من المجموعات الإسلاموية وشقيقات القاعدة أيضاً.

وتجلت هذه التطورات والمتغيرات بوضوح شديد منذ شهر حزيران الماضي، إثر اقتحام مجرمي داعش السريع والمفاجئ والمثير للتساؤل أيضاً، مدينة الموصل وعدداً من محافظات الشمال الغربي والوسط في العراق، ثم إعلانها إقامة الخلافة الإسلامية في المناطق التي يصل إليها مجرموها.

وقد سبق هذه التطورات الميدانية، وخاصة في العراق، اقتتال دموي بين داعش والعصابات الإسلاموية الإرهابية، على اختلافها، وبضمنها ما يسمى جبهة النصرة، في العديد من مناطق الجزيرة السورية، وصولاً إلى ريف حلب الشرقي.

وأكد هذا الاقتتال طبيعة داعش التي اعتمدت سلطة السيف وقطع الرقاب والإعدامات الجماعية بحق من يخالفها، في محاولة لبث الرعب في صفوف الآخرين أولاً، وبهدف إقامة سلطة دموية دينية متزمتة سلفية ثانياً، وصولاً إلى تغيير تركيبة العصابات الإرهابية، وتالياً كيفية تعاطيها مع الأحداث الدموية الجارية والأهداف الحقيقية المتوخاة منها ثالثاً.

لم تقاتل داعش وتعدم عناصر حلفائها وتطاردهم فحسب، بل طالت دمويتها الأبرياء، كذلك دور العبادة والأضرحة والمقامات الدينية، ونتاج الموروث الحضاري على امتداد قرون طويلة، وصولاً إلى إعلان خلافة إسلاموية على مقاس داعش، وبضمنها السبي وجهاد النكاح وغيره.

وإذ يؤكد هذا التعامل الدموي البربري الداعشي في المناطق التي تسيطر عليها حقيقة هذه الظاهرة وبشاعتها، فإنها تطرح أيضاً العديد من المسائل، بدءاً من هذا البروز (المفاجئ) لداعش وآلاف مجرميها المتعددي الجنسيات، إلى التساؤل حول حقيقة قواعد الارتكاز والتسهيلات اللوجستية، التي ساعدت إلى حد كبير في هذا الظهور، مروراً بالدعم الواسع الذي من دونه ما كان ممكناً لهذه الظاهرة أن تستفحل، على حساب عصابات تكفيرية وقاعدية، مثلت أدوات سابقة بيد الوكلاء الإقليميين نفسهم وبعض (العرب) أيضاً.

كما لم يكن ممكناً لهذه الظاهرة أن تستشري بهذه السرعة وأن تجمع آلاف المجرمين من أصقاع العالم، لولا هذا الدعم الإقليمي و(العرباني) المباشر، كذلك الدعم الأجنبي غير الرسمي، إذ لم يهبط مجرمو داعش من السماء، ولم يركبوا الطائرات الخاصة، بل اجتازوا الحدود، بتسهيلات، للوصول إلى أماكن الأحداث. ولا يغير من بروز هذه الظاهرة واستفحالها، تصنيف بعض الدول داعش في لائحة الإرهاب، مقابل صمت قبور إقليمي و(عربي) دام أكثر من ثلاثة أسابيع على احتلال مدينة الموصل، ترافق مع استنكار وإدانة لفظيين دوليين، رغم تبعاته على العراق ووحدته، ورغم ما قامت وتقوم به داعش في المدينة من تدمير ونهب وخراب وتشريع وسن أعراف وأوامر تعود إلى العصر الحجري، وبضمنها تغيير التركيبة الديمغرافية، وتهجير المسيحيين وسبي النساء وغيرها.

ورغم هذا الصمت الإقليمي و(العربي) والنفاق الدولي، فإن داعش أعلنت أهدافها المباشرة في خلافة إسلاموية تمتد إلى حيث يصل مجرموها، كذلك تحييد الصراع و(الجهاد) مع إسرائيل، لأن المعركة الأهم والأساس هي- حسبما أعلنت- مع المرتدين أولاً.

لقد صمدت سورية وقاتلت، وماتزال، ضد المجموعات التكفيرية والقاعدية، وبضمنها داعش، منذ بدايات ظهورها، ونبهت المنطقة والعالم إلى مخاطر هذه العصابات، وفي مقدمتها القاعدة وداعش، وأكدت أن الإرهاب لا دين له ولاحدود، وأنه يزداد وحشية وبربرية، وأن سورية بدفاعها عن سيادتها، إنما تدافع عن الإنسانية والحضارة العالمية، وعن الديمقراطية أيضاً، وخاصة في مقارعتها هذه القوى الظلامية.

وإن كانت هذه الدعوة وهذا التنبيه السوريين مبكرين، فلأنهما عبرا عن رؤية صحيحة ودقيقة لهذه العصابات من جهة، وعن مخاطرها على المنطقة والعالم من جهة ثانية.

ولئن كانت بعض الأدوات تعتقد أن لهذه العصابات، وفي مقدمتها داعش، وظيفة تنحصر في سورية والعراق، وهي تتضمن مخاطر كبرى على وحدة البلدين، فإن تجربة القاعدة في أفغانستان، وما عاناه العالم، وما يزال من تبعاتها، تؤكد عكس هذه التسطيح، أو خطأ هذا الاستخدام الآني ومخاطره، الذي سيرتد على داعميه أيضاً.

إن مخاطر ظاهرة داعش ومآسيها في سورية والعراق، لن تنحصر رغم تبعاتها الكارثية، في هذين البلدين فقط، وإن على الآخرين، وكلاء وأدوات، استدراك مخاطر سياساتهم وتبعاتها، كما أن على من يسمون أنفسهم، حتى الآن، بالمعارضة، وبخاصة الخارجية المرتبطة، التي باتت ومنذ فترة طويلة على هامش الأحداث، مراجعة مواقفها وكيفية تعاطيها مع الأزمة السورية وتداعياتها أيضاً.

العدد 1195 - 23/04/2026