مستجدات استراتيجية خطيرة.. والصمود خيارنا الوحيد
تتضح يوماً بعد يوم ضخامة المخطط الاستعماري والرجعي الذي يكتسح المنطقة العربية خطوة خطوة، ويظهر علينا بصورة فتن طائفية، وأحقاد مذهبية، واحتلالات متعددة، وفوضى عارمة، وتمزيق الخرائط القائمة، ورسم خرائط جغرافية جديدة، ودماء تسيل، وجرائم بشعة لا تصدق، ودجل ديني مفضوح.
ومنذ احتلال أفغانستان واحتلال العراق، بدأت تظهر إرهاصات الاعتماد على إسلام سياسي، بعيد عن الإسلام الحنيف، تكون وظيفته استثمار الحركات الإسلامية التي تكاثرت بعد هذين الاحتلالين في سبيل إملاء الفراغ السياسي الذي تبدّت معالمه على نطاق عالمي، والذي لم تنتبه له بالدقة المطلوبة وبالعمق اللازم جميع الحركات القومية والوطنية واليسارية في العالم العربي على وجه الخصوص.
كان لابد للمخططين الاستراتيجيين الغربيين من الشعور بالقلق إزاء تنامي قوة محور المقاومة في كل حلقاته، خاصة بعد أن بدأت روسيا تستعيد مكانتها في العالم وفي عالمنا العربي خصوصاً، وبعد أن اشتدت أهمية النفط واكتشافات الغاز والتناقضات المحيطة بعملية نقله، كما ازدادت قوته بقوة الصين وبالموجة التحررية التي اجتاحت سبع دول من أمريكا اللاتينية، وبروز أحلاف واتفاقيات جماعية تمثل نصف العالم تقريباً، وهي صديقة بشكل أو بآخر لمحور المقاومة.
ولما أدركت الولايات المتحدة أن الرياح تسير بعكس ما تشتهي سفنها، وأن قبضتها القوية على العالم بدأت بالتراجع، لجأت إلى الخطط الاحتياطية التي أعدتها مسبقاً لمواجهة حالات من هذا النوع، والتي تستند إلى تفكيك النظام السياسي العربي الذي أصبح عبئاً ثقيلاً عليها ولا يصلح لتنفيذ أهدافها، فشرعت بإخراج مشروع الشرق الأوسط الجديد إلى حيز التنفيذ العملي، وهو المشروع الذي أعلنته كونداليزا رايس، ووزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، والذي يقوم على إحداث حالة عامة من الفوضى في البلدان العربية، وتفجيرها من داخلها، مستفيدة من عزلة معظم هذه الأنظمة عن شعوبها ووجود أنظمة استبدادية تقهر شعوبها، ويمتد هذا المشروع إلى تقسيم كل بلد عربي وفق اعتبارات طائفية أو قومية أو غيرها.
بدأت أحداث تونس ومصر وليبيا، وقد بدا للكثيرين أنها فاتحة خير، وما لبثت أن تبددت أوهام كثيرة حولها، بعد أن تشظّت الدولة نفسها وتبخرت في ليبيا، وصعد (الإسلاميون) إلى السلطة في تونس، ولم تستقر الأمور في مصر بعد رغم الإيجابيات التي تمثلت بحدوث ثورة ثانية خلعت الإخوان من السلطة، إلا أن التوجه العام للسياسة المصرية ليس واضحاً بعد، ولا يمكن الحكم عليه.
وفي الوقت ذاته بدأت أحداث سورية التي شهدت أخطر حرب تدخلية استعمارية منذ عشرات السنين، تخللها مجازر وأهوال، وقد أفلح الإرهابيون المرتزقة بتدمير لا يستهان به للبنية التحتية، ولكن مشروعهم التقسيمي لم يكتب له النجاح، بفضل صمود الشعب السوري، مما أدى إلى استنفار الطاقات الاحتياطية لدى الحركات الدينية التي رعتها أمريكا منذ البداية، لتحويل سورية إلى ساحة للجهاد العالمي، وإلى توحيدها تنظيمياً تحت اسم (داعش) حيناً، والتحالف الإسلامي حيناً آخر، والتي أعطيت حق الوكيل الحصري للولايات المتحدة في المعركة الدائرة الآن على الأرض العربية.
وهكذا انتقلت المعركة إلى العراق الذي احتلت (داعش) جزءاً مهماً من ترابه، ووضعت اللمسات الأخيرة لمشروع تقسيمه، وهي تنتهج سياسة التطهير الديني فيه، بعد أن هُجر المسيحيون منه، كذلك امتدت حرب التكفير والتقسيم هذه إلى لبنان، الهش أصلاً في بنيته ونظامه الطائفي، والذي قد يشهد حرباً أهلية جديدة لو استمر اتخاذه قاعدة للإرهابيين الهاربين من سورية.
إن التوقعات كثيرة، وهي تتركز حول قدرة هذا التنظيم وحلفائه على تحقيق هدفه بإنشاء دولة دينية ترث الخلافة الإسلامية التي نشأت منذ 1400 عام، أم أن الدور المنوط به يقتضي أن يكون مجرد أداة للعبث بالدول العربية القائمة حالياً، تمهيداً لتجزئتها، أي إلغاء معاهدة سايكس – بيكو التي كانت تلبي مصلحة الاستعمارين الإنكليزي والافرنسي، وإنشاء سايكس – بيكو جديدة تلبي مصالح الولايات المتحدة الأمريكية بشكل رئيسي، ومصالح إسرائيل التي تكمن في تمزيق الدول العربية الراهنة وتجزئتها إلى دويلات صغيرة متقاتلة فيما بينها، بحيث تكون إسرائيل الدولة السيدة في منطقة الشرق الأوسط.
إن هذه المرحلة تمثل منعطفاً تاريخياً حاسماً، يتوقف عليه مستقبل الشعوب العربية، أفراداً وجماعات، هذه الشعوب التي تقارع الهيمنة الاستعمارية الغربية على مقدراتها، منذ أكثر من قرن، وهي لن تقبل بأن تحكمها جماعات زورت التاريخ، وتريد أن تعيدنا إلى ما قبل التاريخ.
إننا نؤكد هنا أن المهمة الرئيسية الآن هي الوقوف بوجه المد الإرهابي التكفيري الذي تمثله (داعش) وحلفاؤها، فانتصار قوى الظلام والتكفير والتقسيم يعني نجاح المخطط الأمريكي.
إن جماهير شعبنا السوري كانت وماتزال ترفض الهيمنة الأمريكية والرجعية السوداء، وستبقى صامدة خلف جيشها الوطني لهزيمة هذا المخطط وأدواته الإرهابية.